Mar 15, 2011

سعاد ماسي .. بربرية سحرت فرنسا

منى كريم

يعتبرونها إحدى نجمات أفريقيا في مجال الموسيقى، وصوت الإبداع المُسيّس باسم الحياة، وفيروز الجزائر التي يسمعها أهلها قبل أبناء المهجر، فهي الفتاة التي ولدت لعائلة أمازيغية لها سبعة أطفال، شجعها أخوها الملحن على الغناء لتدرس الموسيقى في عمر مبكر بين إخوتها الذين خرج منهم مغني «موسيقى الجاك» وأخت راقصة، لتختص فيما بعد بدراسة الموسيقى العربية والهندسة في آنٍ واحد. سعاد ماسي من الفنانات القلائل اللواتي استخدمن الموسيقى الغربية خاصة الكنتري والفولك ممزوجة بلغات عدة تجيدها تغلب عليها العربية لتخرج من فرقة «أتاكور» الجزائرية السياسية وهي فرقة روك، سبق أن أصدرت ألبومين حصدا النجاح، إلا أن هذا النجاح جاء مع تهديدات بالقتل اضطرتها إلى تلبس شخصية رجل ومن ثم الرحيل إلى باريس.
ماسي تغني بالعربية والفرنسية والإنجليزية والأمازيغية بدأت من الأغنيات السياسية الساخطة التي ترفض استلاب الوطن، إلا أنها سرعان ما خرجت من هذا الرداء لتغني الحب دون أن تتوقف عن الإشارة بأن هؤلاء العشاق ومشاعرهم بحد ذاتهم صور أخرى للوطن الذي حرمت منه تعسفاً. أصدرت أربعة ألبومات هي راوي، دب، مسك الليل، وألبوم أخير صدر قبل عامين لأشهر حفلاتها في باريس التي ترافقت مع العود والآلات الشرقية الممزوجة بعشقها للغيتار. وعلى الرغم من هذا العشق الخاص للغيتار وتوسعها وتمسكها الشديد بأشكال الموسيقى الغربية، فإن ماسي لا تغني في حفلاتها إلا برفقة الآلات الشرقية التي تصفها بأنها لغة توصل رسائلها للمستمع.
قبل أن ترتبط ماسي بفرقة «أتاكور» التي انطلقت منها وهربت منها لاحقاً، كانت قد اشتركت مسبقاً مع فرقة فلامنكو وهي في السابعة عشرة من عمرها إلا أنها سرعان ما انفصلت عنهم لأنها لم تجد ذاتها في بساطة الفرقة، وحين انتقلت إلى باريس استجابت لدعوة جاءتها من مهرجان «نساء من الجزائر» لتشارك وتحصل على عقد مع شركة آيلاند وتصدر ألبومها «راوي» الذي كان باللغتين العربية والفرنسية ليحقق نجاحاً ساحقاً وحاصداً نقداً إيجابياً شبه موسيقاها بموسيقى الكنتري الأميركية الستينية كما شبهت بالأميركية الأفريقية الشهيرة تريسي شابمان التي تغني الكنتري والفولك وتوزع أغانيها بين قضية جماعتها وقصص الحب.
الآن، ماسي تقدم عشرات الحفلات الجماهيرية في فرنسا ودول العالم بحيث لم تتمكن من إصدار ألبوم خامس لها خلال العامين السابقين، إلا أنها تؤكد أنها ستحاول في عملها القادم أن تدخل المزيد من الآلات وتشترك مع مطربين آخرين مركزة على ثيمة الحب التي كانت طريقها الأقصر والأفضل لقلوب المستمعين.
وتحب ماسي أن تغني المرأة العاشقة أكثر من غيرها، فكانت أغنيتاها «دنيا وزمان» و»ماتبكيش» حوارات مع نساء مكسورات، ففي الأغنية الأولى تتحدث باللهجة الجزائرية البسيطة مع حبيبها الذي ترمز له بالزمان وفي أغنيتها الثانية تقول:
ما تغميش وما تبكيش .. أنا ما قلهالي حتى واحد
ما تغميش وما تبكيش .. كنت حابة يقولهالي واحد
كم من الناس يرقدوا .. وأنا بسمع الليل يتنفس
حين سألت ماسي لماذا تغني أجابت: «صحيح إنني أعيش في فرنسا إلا أن البحر المتوسط الذي يفصلني عن بلدي مازالت تعيش فيه عائلتي، إلا أنني سأستخدم الموسيقى لأدين الظلاميين لكي لا يعتقدوا لثانية واحدة أنهم انتصروا وأن كل دماء حملة النور هُدرت دون مقابل!».

جريدة أوان - أغلقت في مايو 2010

مطرب تونسي يغني ضد الرقابة على الشبكات الاجتماعية



منى كريم

لم تتوقع الأنظمة العربية أن تتحول الشبكات الاجتماعية على الإنترنت إلى أداة تساعد شعوبهم على الانتفاض في وجوههم، ولم ير أحدهم بأن المسألة قد تتعدى كونها مكان لإضاعة الوقت أو في أسوأ الحالات عملية تفريغ شحنات سياسية يمارسها الشباب الذي يبحث عن التغيير بمشاعر من اليأس. نظام زين العابدين بن علي كان حذراً في هذا الاتجاه في شهوره الأخيرة، وقام بعملية إلكترونية صدمت العالم من خلال اختراق شبكة الفيس بوك وسرقة معلومات كل المشتركين من تونس حتى تم حل المشكلة لاحقاً، كما لم يغب على هذا النظام أهمية حجب الكثير من المواقع ومن بينها اليوتيوب الذي فضح ممارسات النظام التونسي القمعية وغير الإنسانية.
رداً على هذه الحملة التعسفية ضد حقوق الإنسان وحريات التعبير التي نجدها في الكثير من بلادنا العربية ودول العالم الثالث، قام الشباب التونسي بحملة بعنوان «سيّب صالح... يا عمار» حيث يتم استخدام اسم «عمار» كرمز للنظام التونسي. ولدعم هذه الحملة بكافة الأشكال، شارك أشخاص من تونس وخارجها في هذه الحملة من خلال استخدام عنوان الحملة بطرق إبداعية مرئية على الأغلب ينشرها مديري الحملة الذين يمتلكون موقعاً على شكل مدونة بالإضافة إلى صفحة في الفيس بوك والتويتر والتامبلر.
أحد أهم الأسماء التي انضمت لهذه الحملة هو الفنان التونسي منير الطرودي المقيم في باريس والذي أقام حفلاً موسيقياً أخيرا في مهرجان القرين الثقافي في زخم الأحداث التونسية وقبل هروب الرئيس التونسي السابق. الأغنية جاءت بذات عنوان الحملة «سّيب صالح» وقدم لها المطرب بحديث قصير عن أهمية التواصل وحفظ الحريات مرتدياً تي شيرت باللون البرتقالي كتب عليها «تواصل». وخرجت الأغنية قبل عدة أشهر قبل انطلاقة الثورة التونسية، إلا أن البعض اتخذ منها شعاراً له في التظاهرات ضد السلطة التونسية في شهري ديسمبر ويناير الماضيين.
ورفض الطرودي في مناسبات مختلفة أن تكون أغنيته دافعاً حرك الشعب التونسي وقال بأنهم ليسوا بحاجة لأغنية لتحركهم فقد كانت معاناتهم سبباً لقلبهم النظام، وأن أغنيته جاءت امتداداً لحملة شبابية تونسية ضد حجب مواقع الشبكات الاجتماعية والتلاعب بها كشكل من أشكال تضييق الحريات التي عاشها الشعب التونسي على مدى عقود من الزمن. وتأتي كلمات الأغنية وطريقة أداء الطرودي لها بأسلوب ساخر وطريف على عكس الأسلوب الذي اعتدناه من هذا المغني المميز الذي يبحث عن المزج بين روح الثقافة الشرقية وعبقرية الموسيقى الغربية.
ويقدم الطرودي معظم أعماله بلمسة صوفية وبدوية وكثيراً ما تأتي كلمات أعماله في هذا الاتجاه وكذلك الأزياء التي يرتديها في حفلاته ولحيته التي تجعل منه رجل صوفيا متجلٍا بموسيقاه وألحانه. ومن الملاحظ أن الفنان التونسي ركز على تقديم هذا النوع من الأعمال في حفلته الكويتية بالاشتراك مع الفرنسي إيريك تروفاز، كما أنه لم يغن آخر أغانيه «سّيب صالح» لسبب غير معروف أو لربما لمحاولته الحفاظ على النوع الموسيقي المشترك الذي يستمر في تقديمه مع تروفاز في فرقة تعتمد على الذكاء الصوتي التكنولوجي وبوقيات وإيقاعات موسيقى الجاز. وكان البعض قد توقع بأن أغنية الطرودي الأخيرة تسببت في تأخير إصدار ألبومه الجديد، لكنه نفى الخبر بقوله أن الأحداث التونسية تسببت في التأخير ليقول بأنه «تأخير لذيذ» لأن تونس تحررت من الطاغية أخيراً.
وقد عاني الطرودي من النظام التونسي السابق والذي سبق وأن ضايق زوجته بعدة طرق اضطرتها للاختباء حينما كان يقيم حفلاته في تونس، وهو ما دفع الفنان إلى إصدار ألبوم بعنوان «سلوى» أهداه لزوجته وابنته. وفي آخر تصريح لمنير الطرودي، وجه الفنان التونسي رسالة للفنانين المصريين لمساندة ما أسماه «الانتفاضة الشعبية» فالطرودي معروف بمواقفه السياسية للأنظمة القمعية ولطالما قدم أعمالاً لنضال شعبه ضد اضطهاد السلطة. وكان الطرودي في تصريحه حاداً وصريحاً بقوله ان من يقفون ضد الشعوب يسقطون من التاريخ باعتبارهم «مرتزقة» وبأن أولئك الذين يخاطرون بكل شيء من أجل الوقوف مع شعوبهم ومطالبهم الشرعية هم من يتركون بصمة في الذاكرة الفنية والشعبية في آنٍ واحد.
«سيّب صالح يا عمار» هي ليست مجرد أغنية غناها مطرب تونسي رصين ومميز بل هي في الحقيقة حركة شبابية انطلقت في تونس وتعبر عن قضية كبرى يعيشها الشباب العربي جراء الرقابة التي تمارسها السلطات السياسية والدينية متحججة بحماية المجتمع وهويته وتقاليده واستقراره، إلا أن هذه الحملة لا تكتفي بإرسال رسالة ضد القمع الفكري وفضح ممارسات بعض الحكومات ضد شعوبها، بل هي انطلاقة شبابية للتغيير ومحاسبة أولئك ممن يمارسون الوصاية على العقول مع التأكيد على أن لكل رقابة ثغرة للاختلاق، والنموذجان التونسي والمصري أفضل مثالان على أن الحرية لا يمكن أن تحبسها في قفص.

الراي

كارلوس لطوف ريشة برازيلية تدعم القضايا العربية... مجاناً!


كارلوس لطوف ريشة برازيلية تدعم القضايا العربية... مجاناً!


كتبت منى كريم

يبدو أن الإنترنت لم يعد «عالماً افتراضياً» بعد الآن، فإن كانت البشرية تعتقد قبل سنوات بأن الشبكة الإلكترونية طريقة للتواصل أو تفريغ الهموم والتحاور مع أشخاص لا يمكنهم الحكم عليك بحكم المسافة، فعالم الإنترنت الآن تحول إلى سكين حادة تُوضع على أعناق السلطات، فالتجربتان التونسية والمصرية استغلتا الشبكات الاجتماعية بأذكى الأشكال لخلق الثورات وتقديمها بشكل مباشر إلى العالم بلغات ووسائل إلكترونية مختلفة... الإنترنت بكل بساطة تحول إلى عربة يمتطيها الشباب لبلوغ أهدافهم وخلق التغيير.
في السابق، كانت الجماهير محكومة بوسائل الإعلام الوطنية التي تديرها السلطات وبالتالي فإن الشارع غالباً لا يجد مطرباً يغني له ورساماً يصور تضحياته. الآن، لم يعد الأمر كذلك، فحينما تهرب الكثير من الفنانين عن مظاهرات مصر الغاضبة، استمع المصريون من خلال مكبرات الصوت لمحمد حمام وهو يصدح بأغنيته الشهيرة «بيوت السويس» بالإضافة إلى أعمال سيد درويش والشيخ إمام وأهمها «يا مصر قومي وشدي الحيل». وعلى نفس المنوال، اختار الشارع المصري بعد الشارع التونسي رسومات فنان برازيلي يدعى كارلوس لطوف لتكون شعارات له في التظاهرات ورموزاً مطبوعة على قمصان الشباب المرابط في ميدان التحرير.
كارلوس لطوف ليس مجرد رسام كاريكاتيري ساخر ولاذع بل هو ناشط سياسي يعلن عن ميوله اليسارية التي دفعته لزيارة فلسطين ومخيمات اللاجئين في مناطق مختلفة بالإضافة لرفضه السياسيات الأميركية تجاه المنطقة ودعمها لإسرائيل. لطوف رجل في الأربعين من عمره من أصل لبناني انطلق من خلال رسومات نشرها على حائط «اتحاد التجار اليساريين» في مدينة ريو دي جانيرو حيث وُلد واعتقل عدة مرات بسبب رسوماته التي فضحت وانتقدت ممارسة الشرطة في استخدام العنف بالإضافة إلى حالة الفساد التي تحكم بلاده.
وقد ربط لطوف اسمه بالقضايا العربية دون قصد بسبب تعاطفه مع ما يحصل للشعوب العربية من صراعات خارجية بالإضافة إلى التصادم مع حكوماتها التي تقابلها بالقمع والاضطهاد، وهو ما جعله يرسم أعمالاً متسلسلة كان أشهرها «أنا فلسطيني» والتي حصدت له جائزة في أحد الملتقيات العالمية مواجهاً اتهامات عديدة بمعاداة السامية من منظمات أوروبية يهودية دون أن يتم تجريمه بأي منها. لطوف يؤكد دائماً على أنه لا يعادي اليهود أو اليهودية ولكنه يرفض ممارسات الدولة الإسرائيلية التي تتخذ من الدين درعاً لها لتبرير ممارساتها ضد الفلسطينيين وكذلك اللبنانيين والسوريين.
في تظاهرات تونس، قال لطوف من خلال شبكة «تويتر» الاجتماعية على الإنترنت بأنه يؤكد على أحقية الجميع في نشر أعماله من خلال وسائل الإعلام أو استخدامها في التظاهرات بأي شكل من الأشكال متنازلاً عن حقوقه المادية في هذا الشأن، ومبرراً ذلك بأنه الطريقة اليتيمة المتاحة أمامه لدعم الشباب الباحث عن التغيير ورفع معنوياتها والتعبير لهم عن مساندته لهم في نضالهم ضد أنظمتهم الديكتاتورية كما يصفها. بعد ذلك بأسابيع، انطلق لطوف في العمل على رسومات متعددة لدعم المتظاهرين المصريين بأسلوب ساخر وشبابي وجميل ضد السلطة المصرية ومن ثم على تفاصيل مختلفة مهمة كانت بمثابة ردود فعل على ما يطرحه الإعلام العالمي من تساؤلات تدور أهمها حول مشاركة المرأة والأقباط في المظاهرات المصرية.
هذا الفنان رغم كل الجدل الذي يثيره والاختلافات التي قد تفصلنا عنه خصوصاً من الناحية الأيدلوجية التي يقدمها بشكل حاد، إلا أنه يبقى نموذجاً واعياً من العالم الآخر يتطلع للمنطقة العربية بالكثير من الأمل والتشجيع مؤمنا بحق هذه الشعوب في رسم خطها لحياة كريمة تكفل الحقوق الإنسانية وتعمل ضمن إطار ديموقراطي... إنه الطائر الفنان الذي غنى خارج السرب النخبوي ليحط فوق صدور الشباب العربية بأسلوبه الساخر وألوانه الجريئة.

الراي