Mar 17, 2011

الأخوان الكويتي بين المأساة العراقية والملهاة الإسرائيلية


منى كريم
داوود وصالح عزرا الكويتي من اليهود القلائل الذين لا يتعدون عدد الـ 100 شخص من مواليد الكويت بعد أن هاجرت عائلتهم التي عملت في التجارة من البصرة إلى الكويت مع ما يقارب 50 عائلة يهودية أخرى. وظهرت موهبة الأخوين (صالح 10 سنوات، و داوود 8 سنوات) لأول مرة حين عاد عمهما من الهند جالباً لهما عوداً وكماناً فبدأ صالح دراسة الموسيقى ومن ثم إعادة توزيع موسيقى أغنية «والله عجبني جمالك» التي مازالت ترددها الإذاعات الخليجية المختلفة بصوت سليمة مراد وداوود الكويتي وهي في الأصل إحدى أغاني عبد الله الفرج مؤسس فن الصوت الكويتي.
وعن بداياته تحدث صالح الكويتي بعد سنة من وفاة أخيه داوود 1977 عبر إذاعة صوت إسرائيل قائلاً: (ولدت ونشأت في الكويت حيث كان والدي يعمل، كنت معجباً بالموسيقى والشعر كثيراً وحين أصبحت في سن العاشرة دخلت المدرسة لأتعلم الإنجليزية والعربية والديانة اليهودية. لكنني أحببت دراسة الموسيقى، وفي الكويت كان التعليم الموسيقي مقتصراً على الموسيقى الكويتية والبحرينية واليمانية والحجازية التي تعلمتها على يد عواد ماهر اسمه خالد البكر، ثم تركت العود وتعلمت الكمنجة التي أميل لها أكثر. وحين أصبحت ماهراً بالأغاني الكويتية وشبه الجزيرة العربية غناءً وعزفاً بدأت أنا وأخي داوود بجلب أسطوانات من العراق لأتعلم المقامات والمغنى العراقي المصري والسوري واللبناني، وكنت أتدرب عليها عزفاً وغناءً. وكانت «والله عجبني جمالك» أول أغنية أقدمها بمشاركة أخي داوود أمام شيوخ الكويت آنذاك الذين قاموا بتشجيعي كثيراً حيث كنت أنا وأخي نقيم حفلات عند تجار الكويت وشيوخ الكويت منهم المرحوم عبد الله المبارك وأحمد الجابر. الحق يقال «إن الكويت أحسن بلدة شفتها في حياتي» هادئة، لا توجد فيها تعديات، وفيها مساواة، أي بالعربي الفصيح: «افتح بابك ونام». وفي الكويت كان فن الإيقاع أكثر شهرة من أي نوع موسيقي آخر حيث يعزف الكويتيون على المرواس ويرقص الرجال رقصاً موزوناً غير موجود في أماكن أخرى.
من ثم أصدرنا في العراق أول أسطوانات لنا عام 1926، 1927، 1928 وهي ليست من ألحاننا بل هي أنغام يمانية وكويتية وبحرينية وحجازية منها: يعاهدنني لا خانني ، والله عجبني جمالك، في هوى بدري وزيني، إن شكوت الهوى، لعل الله يجمعنا قريباً، لولا النسيم، نضت عنها القميص، إن وجدي، جرحت قلبي، ألا يا صبا نجد وغيرها).
وهنا نلاحظ بأن صالح كان متأثراً بالتراث الكويتي حيث قدم الكثير من أغاني التراث الكويتي بأصوات عراقية وعربية مختلفة كناظم الغزالي وسليمة مراد ومنيرة الهوزوز وحضيري بوعزيز ونرجس شوقي وزكية جورج ..الخ وعلى الرغم من صغر سنهما إلا أنهما رغبا بالذهاب إلى البصرة بحيث يجدان من يحتضنهما فتلقفت شركات التسجيل العراقية الأخوين الكويتي وأصبحت أغانيهما تشغل الجميع في المملكة العراقية. وفي البصرة توجه صالح لدراسة آلة القانون على أيدي أهم الموسيقيين منهم حنا بطرس يوسف زعرور الصغير بالإضافة إلى تعلم المقامات. ومن ثم بدأ الأخوان بالغناء في الحفلات المختلفة محققين نجاحاً ساحقاً مكنهما وعائلتهما من الانتقال إلى العاصمة بغداد.
موسم الهجرة إلى بغداد
مرحلة الانتقال إلى بغداد مثلت الكثير بالنسبة للأخوين بما أن بغداد ذات أهمية فنية وموسيقية بين دول الشرق الأوسط، هناك، دأب صالح الكويتي على الالتحاق بالمدارس الموسيقية المختلفة التي ثقفته في الموسيقى الشرقية والغربية وجعلت الكثير من المطربين يرغبون بالحصول على ألحان منه لأغانيهم منهم المطربة العراقية اليهودية سليمة مراد باشا –زوجة سفير الغناء العراقي ناظم الغزالي-. ولم تقتصر شهرتها على الموسيقى العراقية بل وصلت إلى مسامع السيدة أم كلثوم التي بحثت عن صالح بمجرد وصولها إلى بغداد على الرغم من أنها قلما تترك أغانيها لملحنين غير مصريين. ومن الأغاني التي لحنها صالح الكويتي أغنية سليمة مراد التي غنتها أم كلثوم «قلبك صخر جلمود» بل وساعدتها «الست سليمة» في نطق الكلمات العراقية الصعبة.
بعدها قدم محمد عبد الوهاب إلى بغداد باحثاً عن الأخوين الكويتي عام 1932 ليدهش الأخوين بقوله إنه راغب بأن يتعلم على يديهما بعض أسرار موسيقاهما الخاصة والتي تأثر بها عبد الوهاب في موسيقاه لاحقاً. وقد عمل الأخوان في تلك الفترة مع سيد المقام العراقي محمد القبنجي والفنان عزيز علي الذي تزوج إحدى أخواتهما، كما قاما بتأسيس معهد موسيقي صغير لتدريس النظريات الموسيقية والمختلفة حيث قاما بالعمل على «نوتة محسنة» سميت بـ «النوتة الكويتية» تقديراً للأخوين.
عدا قيام صالح الكويتي بتلحين قصيدة الشاعر الهندي الشهير طاغور الذي زار بغداد عام 1934 والتي ترجمها جميل صدقي الزهاوي «يا بلبل غني لجيرانك» والتي غنتها المطربة السورية التي اشتهرت في العراق زكية جورج. وعلى الرغم من أن طاغور لا يجيد العربية إلا أنه أعجب باللحن كثيراً. من ثم غناها المطرب عبد اللطيف الكويتي في تلفزيون الكويتي الذي عرضها بشكل مستمر. من الجدير بالذكر أن صالح قام بإعادة توزيع أغنية عبد الله الفرج «في هوى بدري» التي استخدم عبد الحليم حافظ لحنها في أغنيته «يا هلي» لاحقاً.

الأخوان الكويتي والملك فيصل
وصلت شهرة الأخوين الكويتي إلى البلاط الملكي في العراق حتى أصبحا من الموسيقيين المفضلين لدى الملك فيصل الذي جعلهما يلحنان أغاني لمناسبات البلاط الملكي المختلفة. وفي عام 1936 طلب وزير المعارف العراقي من الأخوين الكويتي المشاركة في تأسيس أول إذاعة في مملكة العراق بمشاركة المطربة المصرية فتحية أحمد. ومنذ تأسيسها حتى هجرتهما إلى إسرائيل كان الأخوان يقدمان الأوركسترا في الإذاعة العراقية وفي إذاعة الملك فيصل الخاصة، وهما أول من قدما الأوركسترا العربية في إسرائيل.
واستمرا الأخوان في تقديم عروضهما في عدة دول عربية حتى خمسينيات القرن الماضي وسجلا مئات الأعمال منها «خدري الشاي خدري»، «خايف عليها»، «على درب الهوى»، «كَلي يا حلو منين الله جابك»، «أسمر بعينه كتلني»، «الهجر مو عادة غريبة» و»ميحانة». وبالإضافة إلى شهرتهما لهما معرفة بالمقامات وموسيقى العتابا. عملا الأخوان في تلحين أغان لبعض الأفلام السينمائية كروميو وجولييت.

حياتهما في إسرائيل
طوال مسيرتهما الفنية لم يخف الأخوان هويتهما اليهودية وعملهما على دعم التجمع اليهودي في العراق فنياً أو سياسياً. وتختلف المصادر العراقية والإسرائيلية على تسمية ذهابهما إلى إسرائيل ما بين الترحيل والهجرة. فالمصادر العراقية واليهودية العراقية تؤكد على أنهما كانا مجبرين على الرحيل مع من غادروا بغداد خلال الخمسينيات، بينما المصادر الإسرائيلية تؤكد على أنهما اختارا ترك كل شيء ورائهما والذهاب إلى موطنهما الجديد رغم أن أمير الكويت آنذاك والذي كان معجباً بموسيقى الأخوين كثيراً حاول إقناعهما بالبقاء. يقول شلومو صالح الكويتي إن والده كان مصراً على قراره ولم يكن بإمكانه أن يلحق بالطائرة. وقد أصدر شلومو منذ فترة أسطوانة تحتوي على أشهر أغاني أبيه وعمه التي سبق أن قوبلت بالإنكار العربي العراقي والتجاهل الإسرائيلي تحت عنوان «نجمهما لن يبهت أبداً». ما هو مؤكد أن عائلة الكويتي بأكملها استُقبلت بشكل سيئ في إسرائيل حيث يهود إسرائيل يرفضون انضمام اليهود العرب إليهم بأي شكل من الأشكال. وعلى الرغم من غزارة إنتاج الأخوين في إسرائيل حيث قدما أعمالاً جميلة ومختلفة منها «مقام صالح في ثمود» و «شيبوني وأنا شاب» التي عرضها التلفزيون الكويتي بصوت عبد الحميد السيد إلا أن إسرائيل التي لم تكن قد أصبحت «أرض الميعاد» اضطرت الأخوين للعمل خارج مجال الموسيقى. وكذا تعامل بعض العرب والعراقيون مع الإرث الموسيقي اليهودي الذي حاولوا نسبه إلى مناطق مختلفة تتماهى مع لهجات اليهود دون أي احترام لما قدمه اليهود في مجال الموسيقى والفنون منطلقين في مسيرة مسح الأخوين من الإرث الموسيقي بشكل تدريجي بعد هجرتهما عبر منع بث أغانيهما وإخراج كل اليهود من الإذاعة العراقية إلا أن عملية مسح اليهود من الموسيقى العربية بلغت ذروتها مع وصول صدام حسين إلى الحكم كما يرى شلومو صالح الكويتي.
كما يضيف شلومو حول مسألة المعاملة الإسرائيلية لأبيه وعمه قائلاً بأنها معاملة مريبة حيث طلبوا من الأخوين أن يقدما موسيقاهم في إذاعة صوت إسرائيل باللغة العربية بالاشتراك مع فرقة يهود العراق إلا أنهما شعرا بالإهانة وبأنهما مجرد جزء من صورة منظمة تريد أن تقدمها السلطات الإسرائيلية. ويردف شلومو قائلاً: «لكن ذلك كان أقل وطأة من استماعهما لأغانيهما في الإذاعات العربية المختلفة دون ذكر أسمائهم فلقد أحب والدي وعمي العراق كثيراً وتركا ثروتهما في قصر الملك فيصل، إنهما مرتبطان جداً بالجمالية العربية. وهذا جعل والدي يمنعني من دراسة الموسيقى حتى إنني حسدت «دودو تازا» حفيد داوود الكويتي لأن جده ليس على قيد الحياة ليمنعه من أن يكون فناناً، وهو فنان معاصر ومهم في إسرائيل قام بتقديم أغان جدية في فيلم «سوف هالوم سمولا» الذي انتشر داخل إسرائيل وخارجها».
اعتذار متأخر
يقول مانديلا: «بإمكاننا أن نغفر لكن ليس بإمكاننا أن ننسى»، وهكذا هو حال الأخوين الكويتي اللذان تتم إذاعة وعرض أغانيهما عبر المحطات والإذاعات العراقية المختلفة. فمنذ سقوط صدام حسين بدأ الكثير من الباحثين محاولات لإنقاذ ما تبقى من الإرث الموسيقي العراقي و اليهودي خصوصاً وأخرى تسعى لتذكير الجمهور العراقي بالأخوين وفنهما العريق حتى إن الجمهور العراقي قبل سنتين اختار الأخوين كأفضل ملحنين مقامات من خلال تصويت نظمته إحدى القنوات العراقية.
من جهة أخرى يذكر شلومو أنه منذ صدور أسطوانة «نجمهما لن يبهت أبداً» لم يتوقف الجدل حول مسألة انتماء الأخوين الكويتي، فنجد الجهة الكويتية تعترف بأن الأخوين عملا في العراق بشكل رئيسي وبأنهما من أصول عراقية إلا أنه يجب اعتبارهما جزءاً من الإرث الكويتي، بينما خرجت المقالات اللبنانية متحدثة عن أن أهم الأعمال الفنية العربية هي يهودية في أصلها مما يذكر شلومو بما قاله والده عن عادة العرب في الخلط بين السياسة والفن. بينما تغيرت المعاملة الإسرائيلية تجاه الإرث اليهودي الموسيقي العربي فنجد أن الأجيال الجديدة تبحث عن هذا الإرث لربما باعتباره إرثاً موسيقياً عالمياً، ونرى أبناء المهاجرين اليهود العرب يبحثون عما يصلهم بإرث أجدادهم. 

شتاء فروغ فرخ زاد الـ 38



منى كريم:


" وهذه أنا‏

امرأة وحيدة‏

على عتبة الفصل البارد،‏

في بدء إدراك الوجود الملوث بالأرض‏

ويأس السماء البسيط الحزين‏

وعجز تلك الأيدي الإسمنتية "

/ لنؤمن ببداية فصل بارد -


Let Us Believe In The Beginning "

Of The Cold Season"



كيف للشِعر أن يتحول إلى مشروع نبوة ؟ كيف بإمكانه أن يجلب لشخص ما قدرته على التخاطب مع موته بشكل واضح و مسالم ؟ كيف له أن يجمع بين عشق صوفي و طيران إيروتيكي ؟

هنالك الكثير من الأسئلة التي تراكمت في روحي نتيجة قراءاتي لنصوص الشاعرة الإيرانية فروغ فرخ زاد بالترجمتين العربية و الإنجليزية ، حين قرأت هذه الشاعرة شعرت بمدى الظلم الذي نوقعه على الشعر ، مدى استخفافنا بروحه و جسده و اضطهادنا له بصورة قسرية ، لا أنكر إنني آمنت مطولاً بمقولة أدونيس حول انفصال الشاعر عن التنبؤ و الغيبي و ارتباطه به باعتباره فعل إنساني غير شاذ . لقد جعلتني فروغ في موضع حرج من هكذا إيمان ، فهي شاعرة جعلت من قصائدها مشروعها الشخصي لتحقيق إنسانيتها و أنوثتها و علاقتها مع الوجود ، إنها لشدة التماهي بينها و بين الشعر أصبحت بمثابة صديقة له يخبرها بأسراره ، بل و يتعدى الأمر أن تخبره بأسرارها التي لم تكن قد عرفتها بعد . في مثل هذا الشهر عام 1967 والذي يبدو لي عاماً غريباً فقد رحلت فيه الكثير من الشخصيات بدءاً من تشي غيفارا و وصولاً إلى فروغ فرخ زاد التي اختارت موتها بحرية . في مثل هذا الشهر رسمت فروغ شتاء رحيلها و حددت له في آخر قصائدها أن يكون مع الساعة الرابعة :

مضى الزمن‏

مضى الزمن ودقّت الساعة أربع مرات‏

دقت أربع مرات

/ القصيدة السابقة

بعدها خرجت فروغ من موقع التصوير الذي كانت تعمل فيه كونها فنانة سينمائية أيضا ً ، و ماتت في الرابعة و النصف بحادث سيارة ..

شعر فروغ فرخ زاد يحمل الكثير من الشفافية و الاعتماد على اللغة الإنسانية ، تنطلق فيه من حبّها باعتبارها عاشقة تملك عشق الروح و عشق الجسد ، جامعةً بين التمرد على تقاليد الشعر الفارسي - خاصة أنها من جيل شعري أسس لرؤية مغايرة في الشعر أمثال نيما يوشج و أحمد شاملو – و بين الحس الصوفي أو العرفاني المتوارث في الشعر الإيراني باعتباره شعر يرصد لحالاته الروحانية الراقية خاصة علاقات العشق الإلهية . إن في قصائدها الكثير من التلذذ بالخسارة و الألم ، الكثير من الفقد و التنقيب عن عالم يجيد لغة الـ " لا " بدلا من لغة الرضوخ ، عالم يوازي روح الشاعرة الأنثوية الغير خاضعة لأيدلوجية مجتمعها و مشانقه .

بعض الأحيان تجد أن فروغ تملك القدرة على التخاطب مع الطبيعة باعتبارها ذات روح سامية ، و أحياناً أخرى تنزح لصوت الجسد بلغته الصارخة بكل جرأة بل و انطلاقا من إيمان عميق في تكوين ماهية خصوصية لا عبثية . لقد هوجمت فروغ كثيراً لجرأة ما طرحته خاصة بعد ديوانها " العصيان " و الصادر عام 1952 ، فبقت مصرة على رؤيتها بل و قامت بتكريسها عبر ديوانها الثالث " الجدار " – 1956.

إن في هذا التمرد جمال خاص به و مغاير ، لأنه في الدرجة الأولى جمال يحمل الكثير من الروح الشرقية ، و النوستالجيا الشرقية ، دون أية حواجز تمنعه من التنفس . بل أنه يعمد لصنع لغته المتينة و المليئة بالإيحاء والموسيقى الداخلية باسم البحث عن الضوء رغم هذا اليأس المؤلم الذي ينمو في روح الشاعرة ، وهو في حقيقته مجرد ابن لمساحات من الفشل في " الحب " - أسمى الذوات لدى الشاعرة - .

لقد كتبت فروغ أول قصيدة لها و هي في سن الـ 13 ، ثم أصدرت ديوانها الأول " الأسيرة " في سن الـ 17 والذي قامت بإعادة طباعته ثلاث مرات لاحقاً ، و بحرص شديد حاولت أن تطرح عبر تجربتها أرضية جديدة للفرد بعيدة عن الأسواط حيث كانت فروغ تعلن ما يسمى بـ " خطيئة " حسب العرف الديني و الاجتماعي دون أن ترى ضرورة للخجل باعتبارها إنسان من حقه أن يجرب الطيران في كل الاتجاهات .

" أريدك يا معشوقي المجنون ..

أشعل لهيب الشهوة في عينيه

و في الكأس رقص النبيذ الأحمر

و ترنح جسدي على صدره

في السرير الناعم ..

أوه وقعت في الخطيئة ،

وقعت في خطيئة الرغبة "

/ " وقعت في الخطيئة " – ديوان " الأسيرة " **


النبرة التي تسيطر على فروغ هي نبرة الإنسان الأول دون أية مساحيق عليه ، نبرة الطفل الذي لا يعرف لغة وسطية بل ينزح إلى الصراخ أو الضحك ، تحاول عبره أن تكون كل علاقاتها مجرد علاقات حادة في عفويتها من أجل كسر التماثيل و ما رسبه الإنسان من أفكار محنطة .

حين قرأت فروغ بلغتها البسيطة حضرتني تجربة الشاعر الفرنسي رينيه شار بلغته المكثفة و المعقدة ، فهي تشترك مع هذا الشخص في التعامل مع الشعر ، كلاً منهما يكتب القصيدة باعتبارها حياة إضافية و خاصة له ، كلاً منهما يملك مشروعاً وجودياً في شِعره ، مما يجبرنا على التعامل مع هكذا نصوص شعرية باعتبارها ذات بعد إنساني و إبداعي عميق غير مؤقت كباقي النصوص الفورية أو الاستهلاكية . لقد حاول رينيه شار عبر لغته الصعبة أن يجعل النوافذ مفتوحة للجميع في التفكير و البحث الشعري ، بينما حاولت فروغ تحقيق ذلك عبر صمتها الرافض و الثوري .

هذه الشاعرة تُحّمل المتلقي الكثير من الحميمية لأنها لا تتكلف و لا تبتعد عن شجرة ذاتها ، بل تبقى قريبة مما تريد ، وبذا تسمح للقارئ أن يحتضنها بكل دفء إن كان يحمل مثل مقدار صدقها و تلقائيتها . و رغم أنها في مجموعاتها الأولى حاولت ضرب صورة الرجل باعتباره سلطة علية فوق المرأة ، إلا أنها كانت في ديوانها الأخير " لنؤمن ببداية فصل بارد - Let Us Believe in the Dawning of a Cold Season " و الصادر بعد وفاتها تكّون نظرتها الشمولية للواقع البائس الذي يغيب الإنسان في شدة سواده و عمق قسوته . لطالما رأيت الرجل جلاداً صغيراً و هو في ذاته ضحية للجلاد الكبير المسمى بالمجتمع ، وكنت أصل بذلك إلى أن المرأة ضحية للجلادّين . و رغم كل هذا كانت فروغ أكثر رحمة مع جلادها الصغير لأنه أيضاً طرف آخر و مهم في حياتها .

إن لهذه العلاقة العتيقة بين فروغ و العالم من حولها وقع خاص عليها ، مما جعلها تلامسه و تشكله كما تريد ، فتجدها ترسم الموت كذات للكثير من المشاعر السلبية من عبثيته و وقاحته و قسوته . إنها تبدأ من الإيمان إلى العشق ، ثم الفقد وصولاً إلى الموت ، و كأنها تخلق من الموت حالة أساسية أو عنصر مركزي في الوجود الإنساني . إنها بذلك تكشف عن هويتها و تنفض عنها غبار " المُهمَل " ، و تزيح كذلك الستار عن الآخر المقدس .

فروغ من أهم الشخصيات النسائية الإيرانية التي عملت على إعطاء المرأة صورة متساوية تماماً مع الرجل بكامل حقوقها الاجتماعية و العاطفية وغير ذلك ، في وقت كانت فيه إيران تهاجم تحرر المرأة باعتباره نوع من الهوس بالغرب حسب ما يمكن أن نفهمه من كتاب جلال الأحمد " الهوس بالغرب " ، كما نرى الأمر ذاته لدى علي شريعتي الذي يحاول طرح صورة مثالية للمرأة عبر شخصيات نساء مسلمات كنّ أمهات و أخوات وبنات قدمنّ الكثير من التضحيات ، متناسياً أن المثالية هنا كانت متمثلة في جانب التضحية من أجل الذكور ، أي بمعنى آخر العودة إلى نقطة البدء دون تفهم طموح المرأة الإيرانية . إن الوقت الذي خرجت فيه فروغ كان وقتاً حرجاً وعطشاً لتحرك المرأة أمام كل هذه التحديات من قِبل المجتمع ، إن الهجوم على النساء تعدى ليزرع في الشعب الإيراني أن تحرر المرأة مساوي للعهر و اللا أخلاقيات حسب ما طرحه اليسار الإيراني كمواجهة للإمبريالية . كل هذه الأفكار المشوهة طمحت لتلطيخ فروغ كونها شاعرة إباحية فقط ، تبحث عن متعتها و تريد أن تعلن هذه المتعة باسم الحرية متجاهلين صوت الشاعرة في المطالبة باستقلالية شمولية للمرأة و احترام إرادتها الكلية . فروغ رغم نذرها روحها للحبّ لكنها كانت ترى فيه مساحة لقراءة ما هو مخفي و عصي و طامح نحو المزيد من الحرية ، إنها في تحديها ضد كل هذا القمع كانت مدهشة ، فحتى الآن لا يعرف الناقد الإيراني خاصة المحافظ و الرافض للغتها المنطلقة بلا تردد ، لماذا مازال الناس يقبلون على شراء دواوينها المتمردة ! .

في مسيرة فروغ فرخ زاد الشعرية تحول الحب من أجنحة طيران إلى قفص ضيق ، فهي بعد زواجها في سن الـ 16 من شخص تحبه و يكبرها بـ 15 عام اكتشفت أنها فقدت نفسها باعتبارها شاعرة و أصبحت مجرد امرأة تحيطها العتمة و مقسمة بين الزوجة و الأم و كان ذلك واضحاً في ديوانها الأول " الأسيرة - The Captive " الذي يمثل مشاعر هذه المرأة الشابة و المعذبة . و بناءاً على ذلك قررت ترك زوجها و حبيبها و فقدت ابنها الوحيد حسب حكم المحكمة . تعرضت فروغ بسبب هذه الأحداث لاضطهاد نفسي عميق و أصدرت ديوانها " الجدار The Wall -" الذي أهدته بكل تهكم لزوجها السابق " اللطيف " ! وصولاً لديوان " العصيان - Rebellion " الذي كرست فيه روحها لهدم هذا التسلط الذكوري و قد أثبتت عبره جدارتها كشاعرة مهمة و امرأة متمردة شاذة عاصية .. ثم ديوان " ولادة أخرى – Another Birth " و " لنؤمن ببداية فصل بارد Let Us Believe in the Dawning of a Cold Season -" الذي صدر بعد وفاتها .

لم تكتفْ بذلك فقط إنما اهتمت كثيراً بعملها كفنانة سينمائية عُرفت في أوروبا و تم تكريمها من قِبل المنظمات العالمية المعنية بالثقافة و حقوق المرأة ، و صُنعت حولها أفلام قصيرة تكريمية ، كما أتقنت لغات أخرى كالألمانية و الإيطالية و الإنجليزية و درست السينما في إنجلترا ، رغم فشلها في الحصول على الثانوية العامة في إيران .

للخصوصية في القصيدة لدى فروغ شكل مغاير ، فهي بذلك كونت اتجاهاً أدبياً جديداً يعتمد على الانطلاق مما هو شخصي و خاص بالفرد ، و هو ما نلاحظه في التجارب الغربية مثل غي موباسان و ليرمنتوف و جيمس جويس وغيرهم من مبدعين ينطلقون من تجاربهم باعتبارهم أشخاص يملكون صورة الإنسان الحالم . إن في ذلك تغيير كبير فيما تريده الشاعرة للمرأة ، فهي ترغب بتحطيم هذه الرتابة التي تجعل المرأة ذات شكل ثابت مغيب بالمقارنة مع الرجل الذي يحظى بالكثير من الانتصارات التاريخية من قِبل السلطة و المجتمع و الدين ليحصل على كل الحقوق و أهمها الجنسية الجسدية .

الشاعرة بذلك أصبحت نصاً شعرياً مهماً لكل ما هو أحمر ، كونها تعبر عن المرأة بأبعادها العاطفية و الجسدية و تضيف لذلك قدرتها على التحدث بلا قيود و الكشف عن حقيقة الآخر المطهر / الرجل . فروغ تفردت في كشفها للرجل ، خاصة أنها مدافعة قوية عن اختلاط الجنسين ، بذلك استطاعت على عكس غيرها من المبدعات الإيرانيات خاصة السابقات لها أن تأخذ الرجل بصورة واضحة غير مغيبة و غير جزئية . لقد استغلت فروغ شلل الرجل و خجله من التعبير عن عواطفه بأن تحظى هي بهذه الميزة ، الشاعرة هنا تحصد الكثير من الإمتيازات و تكون باللا صمت أداة ضد السلطة بأشكالها ، كما ترفض الاختباء تحت الرمزية و أغطيتها الكثيرة بل تجعل الأمر يسير في طريق واحد و بلا عدة قراءات خاصة في قصائدها الإيروتيكية .

هذا القليل من فروغ فرخ زاد ، هذا القليل من حزنها الذي يرقص عبر قصائدها و يحتفل بشتائه الـ 38 بعد أن وجدت فروغ فرخ زاد ذاتها لتفقدها إلى الأبد .

Mar 15, 2011

القصيدة تتساءل: كم مرة ستحرقون فهد العسكر؟


منى كريم


هل يستطيع الإنسان أن يتحمل كونه متمردا على التقاليد باحثا عن التجديد، مدافعا عن المرأة وعاشقا لها، هاربا من الواقع نحو الخيال، كفيفا يخبئ تشوه عينيه بقصائد يعرفها ولا يراها، معزولا عن الحياة بسبب الشعر والعمى والمرض.. هل يستطيع أحدهم أن يموت بكل بساطة وحيداً حتى من قصائده التي أسماها «أبناءه»، ومن ثم يغتصب التخلف أجمل ما خلف البؤس ببضعة أعواد ثقاب؟

هذا هو السؤال الأزلي الذي يجيء مع كل قصيدة لفهد العسكر، ومع كل قصة يرويها البعض بخجل وخوف عن العسكر، لينضم هذا الشاعر إلى قائمة «المحرمات» في الكويت، بدلاً من أن يكون رمزاً ثقافياً كبيراً يحتضن الجميع، وتتحول نظارته السوداء إلى منظار لرؤية جميلة لحالة السباحة ضد التيار، تيار الظلام الذي تصدت له الكلمة وحدها حين كانت الحياة مجرد نغم رتيب، لتحولها بذلك إلى مقطوعة بألوان قوس قزح.

ومن أجل جمال الكلمة، من أجل إخماد النار التي مازالت تنهش جسد العسكر الذي دفنه الغرباء، ومن أجل الخطوة الأولى التي خطاها نحو الضوء، سنذهب هنا في رحلة داخل سيرة مبعثرة لهذا الشاعر من خلال كتب ومقالات كتبت عنه، بالإضافة إلى حوارات مع القليل ممن تبقى من معاصريه.. هنا تبدأ رحلة لتقديم قرابين الشعر لصرح هذا المبدع الذي لا ينفك الجميع عن وصفه بالـ«البائس المغمور».

بجسد نحيل وبشرة بلون الحنطة جاء الشاعر ببورتريه بسيط لهذا العالم، ليولد في «سكة عنزة» العام 1917 حسبما تؤكد والدته، على الرغم من أن هنالك أكثر من خمس روايات لعام ولادته يختلف حولها أفراد عائلته وأصدقاؤه، حسبما صرحوا في مناسبات عدة، فالمواليد الكويتية سابقاً لم تكن مسجلة بل معتمدة على الأحداث التي تصاحبها لتحديد عام الولادة، ليصبح العسكر من دون أوراق ولادة أو وفاة. وكان فهد مجرد صبي محبوب لدى أبيه الذي أسس عائلة متدينة محافظة، اصطبغ العسكر بطابعها حتى ثار في شبابه على هذا الطابع، وانطلق في مخيلته بين الآلهة السومرية التي كان يوظفها في قصائده أحياناً، وبين رموز العشق في الشعر العربي، وكأنه بذلك يختار الجمال على أن يُحصر في صندوق من الأفكار. وجاءت انطلاقة الشاعر من خلال قصيدة كتبها في احتفالية أقيمت في المدرسة المباركية احتفالاً بعيد المولد النبوي، وهو أمر وثق له الكثيرون أهمهم أستاذه عبدالله النوري، ليقول إن قصيدة «بسمة ودمعة» أثرت في مشاعر الناس، حيث قال في مطلعها:

كفكف بربك دمعك الهتانا
وافرح وهنئ قلبك الولهانا
بُشراك ذا يوم الولادة قد أتى
فعساه يوقظ روحك الوسنانا
من التدين إلى ولع اللغة

لم تكن اللغة العربية مجرد علم يستهوي العسكر مثل أي شاب كويتي في بيئة تعليمية بسيطة، فقد جعل منها عشيقته الأولى، وبوابته نحو الحياة وضوءا لعينيه حينما فقدهما، وعصاة لعقله حين نهشته نظرات الرفض. ويقول الأستاذ عبدالله زكريا الأنصاري في كتابه «فهد العسكر.. حياته وشعره»، وهو المصدر الأول عن الشاعر، بحكم أنه يحتوي مختصراً عن حياة الشاعر وأغلبية قصائده المتبقية، يقول إن العسكر «تولع منذ صغره بتصريف الكلمات وإجادة الغريب من اللغة غير المعقد»، مؤكداً ما يتفق عليه الأغلبية في أنه كان فتى متدينا، ومشيراً إلى تعلقه بأستاذه الشاعر محمود شوقي الأيوبي، وكيف اعتنى به الآخر ودفعه نحو الاهتمام باللغة العربية وقراءة الشعر.

وفي وصف لطفولة العسكر، تبقى الأمور غير واضحة في تحوله بين الشعر البسيط إلى التجديد، ومن التدين إلى الانفتاح، فبورتريه الشاعر يظهر بخجل من خلال كلمات أصدقائه، حيث يتحدث رفيق دربه أحمد السيد عمر في مذكراته الصادرة عن دار قرطاس العام 1998 عن معرفته بالعسكر التي انطلقت حين كان السيد عمر في السابعة من عمره، ويكبره الشاعر بسبع سنوات، ليصفه بأنه كان شاباً خلوقاً يعض الآخرين، ويكتب الشعر مولعاً بالتخميس، وكان أفضل ما خمّس قصيدة «يا جارة الوادي» التي يبدؤها:

إني بحبك كم عذول لامني
كم مرة بالنوم طيفك زارني
شرك الجمال لقيته فاصطادني
«يا جارة الوادي طربت وعادني
ما يشبه الأحلام من ذِكراك»

الشهرة من إذاعة لندن
وفي حوار خاص مع «أوان» تحدث الشاعر علي السبتي عن انطلاقة العسكر، من خلال فوزه بمسابقة إذاعة لندن عن منطقة الخليج العربي العام 1944، فهي التي قدمت العسكر لقراء الشعر في الكويت، ويتفق مع ذلك الشاعر فاضل خلف في حوار لنا معه، وهو الذي عاصر العسكر، وتعرف إليه حين ذهب ووالده لتهنئة العسكر بالجائزة، وكان حينها خلف قد سمع بفهد العسكر، منذ أن كان في الثانية عشرة من عمره، ليجد طابوراً من المهنئين الذين قرأ عليهم الشاعر قصيدته الفائزة بعنوان «الحنين إلى الوطن» التي يقول فيها:

وطني فديتك عِشْ، وَدُمْ، واسْلَمْ، وَطِبْ
فحمائم السلم القريب ستهدل
والمجد باسمك يا ربوع مُسَبِّحٌ
والفخر يهتف، والزمان يهلل

أسطورة شعراء الملوك

وكأي شاعر لا يجد غير مخيلته ليمتطيها، كان العسكر يحاول أن يخلق صورة جميلة لنفسه من خلال حياة مفترضة رسمها قبل أن يكون ذاته، فتأثر بما قرأ من سير الشعراء، وهو ما دفعه نحو البحث عن فرصة للتشبه بهم لتقتصر وظيفته في الحياة على الشعر الذي يحب أولاً وآخراً، فتجمع المصادر محاولة العسكر في أن يكون شاعراً للملك عبدالعزيز آل سعود حيث كتب قصيدة مدح له أعجب بها الملك ليدعوه إلى الرياض، وهو أمر لم يقبل به والد العسكر في البداية، خوفاً على ابنه الشاب في ذلك الحين، إلا أنه ذهب إلى الرياض، ولم يجد مراده ليصبح مدرساً لابن الملك، وهو أمر لم يعجبه ليترك الرياض ويعود إلى الكويت. ويتفق على هذه الرواية أكثر من شخص، إلا أن الأنصاري يرجح سبب عودته في أنه لم يتحمل العيش في الصحراء لاعتياده على حياة الكويت التي كانت أسهل من الحياة في الرياض آنذاك.

ذات الشاعر وخيوطها

لربما لا يوجد جحيم أكبر من ذلك الذي يخلقه المبدع لنفسه، لأنه بكل بساطة يملك وعياً كبيراً قد لا يتسع له، وللمكان والزمان اللذين يعيشهما، لذا تمثل شخصية الشاعر فهد العسكر جزءاً كبيراً من مأساته التي عاشها، ومسبباً للقصائد التي كتبها بمشاعر مختلطة بين الغربة والعزلة والرفض والوحدة، لذا فإن الحديث عن شخصية العسكر يبدو الأكثر صعوبة بالضرورة. الشاعر علي السبتي يقول إنه لم يقابل العسكر، لكنه كان يسمع عنه كثيراً، ويتمنى لقاءه، إلا أن الناس اعتزلته في تلك الفترة بسبب أفكاره وأشعاره وشخصيته الانعزالية ليصفه بأنه صاحب «شخصية غير جذابة أو اجتماعية، ويعرف عنه أنه لا يتقبل الانتقاد وسريع الثورة».

أما الشاعر فاضل خلف فقال «تحملته لحبي له ولشعره واستفادتي الكبيرة منه كشاعر، فقد كان أستاذاً لي وغيري من الشعراء مثل عبدالمحسن الرشيد»، وإن العسكر مفرط العصبية وحاد الذاكرة، يحفظ الكثير من قصائده وقصائد غيره، يتحدث باللغة العربية الفصحى في أغلبية الأحيان. كما تحدث خلف عن حياة العسكر المأساوية حين اختار أن يعيش في غرفة قريبة من «سوق واجف» مع مجموعة من عمال شركة النفط، بعدما طرده والده من بيته، وحتى موته في المستشفى الأميري.

والتقى خلف بالعسكر حين كان في الثامنة عشرة من عمره، ليقول إنه قارئ نهم عاش على استعارة الكتب من مكتبة الرويح، وإنه شاعر لم يتأثر سوى بنفسه، استطاع أن يهرب من حياته المأساوية إلى الخيال الذي أبدع من خلاله وكتب باستخدامه قصائد من أجناس مختلفة، أهمها قصائد الغزل والخمرة التي تحتوي أحياناً على شخصيات خيالية، فالعسكر لم يعش قصة حب، وكل قصص الحب وعشيقاته الوهميات مجرد صنع من الخيال الذي يعوض من خلاله مشاعر الحرمان التي سيطرت عليه، ليتحدث عن إحداهن في قصيدة «لك الله»:


فلم تشغلك خولة لا
ولا «هند» و«دعد»
وناديت، بروحي أنت
يا ليلى ويا نجد
بين العمى والخمرة

وكانت غواية الخمرة هي الأكثر بروزاً في سيرة الشاعر، لأنها بكل بساطة جاءت كرمز لكل رحلات الخلاص التي سار فيها من جسد وحب وموت، ويبدو أن الشاعر لم يعتبر الخمرة تسلية أو إدمانا، بل رفيقا، حين تحولت الشوارع مظلمة بلون غرفته الصغيرة، ووحيا وهميا يؤمن به يدفعه نحو الشعر والجنح في ذكريات لم يعشها وخيال لم يزره بعد.

ويقول أحمد السيد عمر إنه عاش فترات انتقال العسكر من التدين إلى «الزندقة»، فالألم الذي شعر به بسبب العمى والمرض والغربة وكيف تأثر الشاعر بانتحار صديقه عبدالله بدر السعدون الذي قتل نفسه، بعدما أكلته الكآبة الشديدة، ليكتب قصيدة جميلة عنه أسماها «يا أخا الروح». كما قال إن العسكر كان يتضايق بشدة من أن يرى أحدهم عينيه دون النظارة، ليذكر حادثة حصلت بينهما حينما أخذ الشاعر لامرأة بدوية دفع لها المال لتضع «الدقوس الأحمر» في عينيه رافضاً أن يذهب للعلاج في المستشفى الأميركي، لأن والدته نصحته بذلك، وهي التي كانت الوحيدة التي تعطف عليه بعدما طرده والده وتعطيه المال.

قصائدي هي أطفالي

ولا يبدو العسكر أول الشعراء العازفين عن الزواج، إلا أنه من القلة الذين يعيشون في مجتمع مغلق يقطع أوصال العلاقات بين الجنسين، وتجد فيه من يصر على تربية وحدته لتكبر وتصبح صليباً كبيراً يحفر عليه كلماته، فقد رفض العسكر كل دعوة لتزويجه من امرأة تعتني به، وتنجب له الأولاد، ليقول إن قصائده هي أبناؤه، وهو ما أكد عليه كل من أحمد السيد عمر والشاعر فاضل خلف، حيث تحدث الأخير عن حادثة حصول الشاعر على ورث بعد موت أبيه، فعرض عليه أن يزوجه ويشتري له بيتاً إلا أنه رفض وصرف الورث على الكتب والخمرة. كما يشير الأغلبية إلى حادثة جمع أصدقائه لمبلغ مالي ليعالج في البصرة برفقة الأديب عبدالله الحاتم، إلا أن العسكر صرف المال في شرب الخمرة في أحد الفنادق الرخيصة هناك، وهي التي تغزل بها كثيراً ليقول:

وأدرها علي جهرا فإن الــ
ــراح أمست للعاشقين مباحا
خمرة تملأ النفوس سروراً
واغتباطا وتطرد الأتراحا
سؤال الوطنية وألم الغربة

«إنه شذوذ العباقرة» هذا ما رآه الراحل عبدالرزاق البصير في قراءته لحياة وقصائد فهد العسكر، فهو يرى أن فهم شخصية الشاعر ليست بأمر سهل، ورسم الخطوط بين قطعها لا ترجع للقارئ، لأن العسكر لم يرد سوى أن تصل القصيدة.. لا أكثر! ويبدو أن شخصية العسكر كانت أكبر من وقتها (لا بالمعنى الإيجابي أو السلبي)، لنجد أن الكثير من المقالات انشغلت بالتبرير والشرح لحياة الشاعر، بدلاً من الاعتناء بـ«أبنائه القصائد». وفي وصف شخصية العسكر، يقول الأنصاري إنه «رقيق الإحساس، حاد الشعور، شديد العاطفة»، يمضي وقته في القراءة والكتابة والشرب والاجتماع في ملتقى أدبي يجمع أدباء وشعراء الكويت، وهو ما تجده الدكتورة نورية الرومي في كتابها «شعر فهد العسكر» أنه أمر مبالغ به، لأن الكويت لم يكن فيها مثل هذا الملتقى الأدبي سوى لقاءات بين العسكر وأصدقائه القلة المقربين. كما تتطرق الرومي في كتابها إلى سبب عزلة العسكر عن مجتمعه الكويتي لم يذكره الآخرون، وهو التشكيك بوطنيته، حيث يرى البعض أن العسكر كان على صلة دائمة مع القنصل البريطاني، ويحصل منه على المكافآت، وهو ما زاد من غربة العسكر ليكتب قصائد تعبر عن رد فعله على هذا الاتهام وشعوره بالغربة في مجتمع لا يفهم حقيقته، على الرغم من قصائده القومية العديدة، ليبث حاله في قصيدة «شهيق وزفير»:

وطني! ولي حق عليك أضعته
وحفظت حق الداعر المتسكع
فلو أن لي طبلاً ومزماراً لما
أقصيتني، أو أن لي في المخدع!
هذي عقوبة موطني، وجنايتي
هي أنني لتيوسه لم أركع
رائد التجديد ورمز التحول

ويعتبر الشاعر العسكر رائداً للتجديد في الشعر الكويتي، لأنه لا يتكلف الشعر، لا يحاكي القدامى. له خيال خصب وأسلوب ساخط وروح داعية للتجديد كما يصفه عبدالله زكريا الأنصاري، بينما تقول نورية الرومي إن العسكر مثّل تغير الحياة في الكويت وحالة التجديد التي كانت جديدة على المجتمع، ليمثل بذلك الفترة الانتقالية في مواجهة التقاليد والأعراف، وليتهم العسكر بالانحلال والإلحاد بسبب الفهم الخاطئ والمباشر لقصائده التي ترى الرومي بأنها تدافع عن المرأة، وتدعو إلى ثورة ضد التقاليد التي تستعبد الإنسان. كما تجد الرومي في الشاعر حاملاً للواء الرومانسية الجديدة، حيث إنه تأثر بالتجديد الذي أصاب الشعر العربي من تطوير للموسيقى والعروض والدلالات الشعرية.

خطوة أولى في الشعر

ونلاحظ أن أغلبية قصائد العسكر تنتمي لشعر الغزل الفاحش الذي يدلل عليه من خلال الأوصاف التي يستخدمها والأسماء الغزلية القديمة التي يوظفها في الكتابة عن عشيقات وهميات. وبالتالي فإن هذا الجنس من الشعر كان بالضرورة السبب الأول في محاربة العسكر الذي لم يتردد لحظة في تفضيل منح الحرية لخياله على منح حريته لقيود المجتمع، ليكون بذلك «شاعر الخطوة الأولى»، كما تصفه الرومي في دراستها.

ويقول الأنصاري عن شعر العسكر إنه كثير، كان مصيره الضياع أو الحرق، فالشاعر غزير الإنتاج حسبما عرف عنه أصدقاؤه، كما أنه صارح الأنصاري قبل وفاته بأنه أراد أن يطبع ديواناً له إلا أنه لا يريد أن ينشر القصائد التي قد تزعج البعض، ومات قبل أن يحصل ذلك. ويشير الأنصاري إلى أن العسكر لم يكن من طبعه المدح، بينما يرى السبتي أن العسكر له قصائد في الهجاء والغزل الفاحش وفي أنها سبب من أسباب عزلته عن الناس، ومن بينها قصيدة بعنوان «الأحمدي» لحنها الفنان عبدالله الفضالة ولم يتم إذاعتها. كما يؤكد الأنصاري في بداية كتابه عن العسكر أنه واجه صعوبات كثيرة في جمع قصائد الراحل، لأنه حين راسل أصدقاءه، بعضهم «لم يتجشم عناء الرد، ومنهم من لم يتحمل تعب الكتابة، وبعضهم من اعتذر لعدم امتلاكه لشيء من آثار الشاعر، والبعض القليل من الأصدقاء المخلصين زودنا بما لديه»، كما يؤكد فاضل خلف أن عبدالله زكريا الأنصاري وصالح شهاب كانا المدونين الرئيسيين لقصائد العسكر بعدما فقد بصره.

طقوس حرق «الفجر الصادق»

هل اختار الشاعر الكويتي الذي حفر «الخطوة الأولى» في التجربة الشعرية الكويتية أن تُحرق قصائده؟ وهل عاش الشعراء عمليات الإحراق التي طالت فهد العسكر مراراً وتكراراً لحالاته الشعرية بين الثورة والقصيدة والغزل والخمرة والعمى والمرض والعزلة والغربة في الحياة والموت؟

عمليات الإحراق تبقى مشتعلة، إلا أن قصة حرق قصائد العسكر محور لا يتفق الجميع عليه، فيرى الأستاذ عبدالله زكريا الأنصاري أن قصائد العسكر تم حرقها، بينما تختلف معه نورية الرومي لتقول إن عائلة الشاعر لم تؤكد بشكل قاطع حرق قصائده، فتارة يؤكد أخوه خالد حرقه لقصائد الشاعر ثم ينفي ذلك بقوله إنه مازال يحتفظ بالديوان المعنون بـ«الفجر الصادق»، كما صرحت ابنة خالة الشاعر بأنها حرقت قصائده فور سماع خبر موته، إلا أنها تذكر تفاصيل الحرق بشكل مختلف للرومي عن تلك التي روتها لصحيفة الوطن العام 1966 وهو ما يربك حقيقة روايتها.

ويعلق الأنصاري على فرضية حرق قصائد الشاعر بقوله: «إننا لا نعرف الدوافع التي حملت هؤلاء الناس ليتجرؤوا على حرق أفكار لا تضرهم، وإنما هي أفكار تصور جانباً كبيرا من تاريخ الكويت الحديث.. ولو فرضنا أيضاً أن بعض تلك القصائد التي أحرقت وحُكم عليها بالموت كانت مخالفة للوضع أو منافية للدين في نظرهم، فإنه كان يجب الاحتفاظ بها وتمحيصها تمحيصاً دقيقاً والإبقاء عليها للتاريخ وللأجيال القادمة التي لا يحق لنا أن نعتدي عليها». ومن خلال المقارنة بين الآراء المختلفة التي حملتها الكتب والمقالات والحوارات، يمكننا أن نرجح عدة احتمالات ومنها، أن عائلته أحرقت قصائده متهمة إياه بالزندقة، أو بسبب قصائد الهجاء التي لم تر النور، أو لربما طلب الشاعر أن تحرق أعماله لأسباب فنية أو لحديثها عن أمور خاصة أو حساسة. كما يمكن أن نعتقد بأن القصائد لم تحرق، وبأن ما ضاع من شعره هو ما يضيع من شعر أي شاعر لا يدون كل ما يقوله. إلا أن الدكتورة نورية الرومي في كتابها تطرح بالتفصيل كيف أن الديوان الذي جمعه الأنصاري ليس كاملاً، وذلك لوجود مشاكل في العروض أو المعنى في القصائد التي نشرت مجموعة لأول مرة العام 1956 في القاهرة.

الموت بعيداً عن الصخب

بعد هذه الحياة المعقدة والمأساوية، قد نعتقد بأن من حق هذا الإنسان أن يموت بشكل طبيعي، إلا أن الجميع حرمه من أبسط المطالب وهو الموت بعيداً عن الصخب. العسكر أصيب بمرض «التدرن الرئوي» لينتقل من غرفته الضيقة المظلمة في سوق واجف إلى سرير أبيض في المستشفى الأميري حتى يموت في أغسطس 1951 عن عمر يقارب الخامسة والثلاثين أمضاها بين الرفض والظلمة والألم. وتقول الرومي إن العمى أثر فيه نفسياً كثيراً، فاعتزل وانغمس في الشرب، وأهمل صحته حتى مرض وتوفي ليدفنه بعض الغرباء. ويقول الأنصاري إنه كان يعمل في القاهرة حين توفي العسكر، بينما كان فاضل خلف في إجازة في بغداد ليعرف بخبر موته من خلال مجلة البعثة بذات الطريقة التي عرف بها السبتي خبر موت العسكر، على الرغم من تواجده في الكويت. ودُفن العسكر في المقبرة العامة بعدما صلى عليه إمام مسجد المديرس عثمان العصفور مع ثلاثة غرباء.

إذن، هكذا كانت حياة فهد العسكر، شريط أسود مر بمرارة لم تترك له ولنا سوى القصائد التي وصلت إلينا، لتبقى الأسئلة معلقة حول حياة هذا الشاعر، ذاتها الأسئلة التي كان يتمتم بها طوال حياته البائسة.. أسئلة عن الإنسان والإبداع والحرية والجمال، أسئلة أجاب عليها العسكر بمجموعة من الشكاوى التي لونها بكلمات جميلة، ليعبر عن مروره السيئ على الحياة، ليبقى أمله الوحيد في إيجاد حياة يستحقها في قلوبنا وذاكرتنا قائلاً:


أنا إن مت أفيكم يا شباب
شاعر يرثي شباب العسكر؟.

سعاد ماسي .. بربرية سحرت فرنسا

منى كريم

يعتبرونها إحدى نجمات أفريقيا في مجال الموسيقى، وصوت الإبداع المُسيّس باسم الحياة، وفيروز الجزائر التي يسمعها أهلها قبل أبناء المهجر، فهي الفتاة التي ولدت لعائلة أمازيغية لها سبعة أطفال، شجعها أخوها الملحن على الغناء لتدرس الموسيقى في عمر مبكر بين إخوتها الذين خرج منهم مغني «موسيقى الجاك» وأخت راقصة، لتختص فيما بعد بدراسة الموسيقى العربية والهندسة في آنٍ واحد. سعاد ماسي من الفنانات القلائل اللواتي استخدمن الموسيقى الغربية خاصة الكنتري والفولك ممزوجة بلغات عدة تجيدها تغلب عليها العربية لتخرج من فرقة «أتاكور» الجزائرية السياسية وهي فرقة روك، سبق أن أصدرت ألبومين حصدا النجاح، إلا أن هذا النجاح جاء مع تهديدات بالقتل اضطرتها إلى تلبس شخصية رجل ومن ثم الرحيل إلى باريس.
ماسي تغني بالعربية والفرنسية والإنجليزية والأمازيغية بدأت من الأغنيات السياسية الساخطة التي ترفض استلاب الوطن، إلا أنها سرعان ما خرجت من هذا الرداء لتغني الحب دون أن تتوقف عن الإشارة بأن هؤلاء العشاق ومشاعرهم بحد ذاتهم صور أخرى للوطن الذي حرمت منه تعسفاً. أصدرت أربعة ألبومات هي راوي، دب، مسك الليل، وألبوم أخير صدر قبل عامين لأشهر حفلاتها في باريس التي ترافقت مع العود والآلات الشرقية الممزوجة بعشقها للغيتار. وعلى الرغم من هذا العشق الخاص للغيتار وتوسعها وتمسكها الشديد بأشكال الموسيقى الغربية، فإن ماسي لا تغني في حفلاتها إلا برفقة الآلات الشرقية التي تصفها بأنها لغة توصل رسائلها للمستمع.
قبل أن ترتبط ماسي بفرقة «أتاكور» التي انطلقت منها وهربت منها لاحقاً، كانت قد اشتركت مسبقاً مع فرقة فلامنكو وهي في السابعة عشرة من عمرها إلا أنها سرعان ما انفصلت عنهم لأنها لم تجد ذاتها في بساطة الفرقة، وحين انتقلت إلى باريس استجابت لدعوة جاءتها من مهرجان «نساء من الجزائر» لتشارك وتحصل على عقد مع شركة آيلاند وتصدر ألبومها «راوي» الذي كان باللغتين العربية والفرنسية ليحقق نجاحاً ساحقاً وحاصداً نقداً إيجابياً شبه موسيقاها بموسيقى الكنتري الأميركية الستينية كما شبهت بالأميركية الأفريقية الشهيرة تريسي شابمان التي تغني الكنتري والفولك وتوزع أغانيها بين قضية جماعتها وقصص الحب.
الآن، ماسي تقدم عشرات الحفلات الجماهيرية في فرنسا ودول العالم بحيث لم تتمكن من إصدار ألبوم خامس لها خلال العامين السابقين، إلا أنها تؤكد أنها ستحاول في عملها القادم أن تدخل المزيد من الآلات وتشترك مع مطربين آخرين مركزة على ثيمة الحب التي كانت طريقها الأقصر والأفضل لقلوب المستمعين.
وتحب ماسي أن تغني المرأة العاشقة أكثر من غيرها، فكانت أغنيتاها «دنيا وزمان» و»ماتبكيش» حوارات مع نساء مكسورات، ففي الأغنية الأولى تتحدث باللهجة الجزائرية البسيطة مع حبيبها الذي ترمز له بالزمان وفي أغنيتها الثانية تقول:
ما تغميش وما تبكيش .. أنا ما قلهالي حتى واحد
ما تغميش وما تبكيش .. كنت حابة يقولهالي واحد
كم من الناس يرقدوا .. وأنا بسمع الليل يتنفس
حين سألت ماسي لماذا تغني أجابت: «صحيح إنني أعيش في فرنسا إلا أن البحر المتوسط الذي يفصلني عن بلدي مازالت تعيش فيه عائلتي، إلا أنني سأستخدم الموسيقى لأدين الظلاميين لكي لا يعتقدوا لثانية واحدة أنهم انتصروا وأن كل دماء حملة النور هُدرت دون مقابل!».

جريدة أوان - أغلقت في مايو 2010

مطرب تونسي يغني ضد الرقابة على الشبكات الاجتماعية



منى كريم

لم تتوقع الأنظمة العربية أن تتحول الشبكات الاجتماعية على الإنترنت إلى أداة تساعد شعوبهم على الانتفاض في وجوههم، ولم ير أحدهم بأن المسألة قد تتعدى كونها مكان لإضاعة الوقت أو في أسوأ الحالات عملية تفريغ شحنات سياسية يمارسها الشباب الذي يبحث عن التغيير بمشاعر من اليأس. نظام زين العابدين بن علي كان حذراً في هذا الاتجاه في شهوره الأخيرة، وقام بعملية إلكترونية صدمت العالم من خلال اختراق شبكة الفيس بوك وسرقة معلومات كل المشتركين من تونس حتى تم حل المشكلة لاحقاً، كما لم يغب على هذا النظام أهمية حجب الكثير من المواقع ومن بينها اليوتيوب الذي فضح ممارسات النظام التونسي القمعية وغير الإنسانية.
رداً على هذه الحملة التعسفية ضد حقوق الإنسان وحريات التعبير التي نجدها في الكثير من بلادنا العربية ودول العالم الثالث، قام الشباب التونسي بحملة بعنوان «سيّب صالح... يا عمار» حيث يتم استخدام اسم «عمار» كرمز للنظام التونسي. ولدعم هذه الحملة بكافة الأشكال، شارك أشخاص من تونس وخارجها في هذه الحملة من خلال استخدام عنوان الحملة بطرق إبداعية مرئية على الأغلب ينشرها مديري الحملة الذين يمتلكون موقعاً على شكل مدونة بالإضافة إلى صفحة في الفيس بوك والتويتر والتامبلر.
أحد أهم الأسماء التي انضمت لهذه الحملة هو الفنان التونسي منير الطرودي المقيم في باريس والذي أقام حفلاً موسيقياً أخيرا في مهرجان القرين الثقافي في زخم الأحداث التونسية وقبل هروب الرئيس التونسي السابق. الأغنية جاءت بذات عنوان الحملة «سّيب صالح» وقدم لها المطرب بحديث قصير عن أهمية التواصل وحفظ الحريات مرتدياً تي شيرت باللون البرتقالي كتب عليها «تواصل». وخرجت الأغنية قبل عدة أشهر قبل انطلاقة الثورة التونسية، إلا أن البعض اتخذ منها شعاراً له في التظاهرات ضد السلطة التونسية في شهري ديسمبر ويناير الماضيين.
ورفض الطرودي في مناسبات مختلفة أن تكون أغنيته دافعاً حرك الشعب التونسي وقال بأنهم ليسوا بحاجة لأغنية لتحركهم فقد كانت معاناتهم سبباً لقلبهم النظام، وأن أغنيته جاءت امتداداً لحملة شبابية تونسية ضد حجب مواقع الشبكات الاجتماعية والتلاعب بها كشكل من أشكال تضييق الحريات التي عاشها الشعب التونسي على مدى عقود من الزمن. وتأتي كلمات الأغنية وطريقة أداء الطرودي لها بأسلوب ساخر وطريف على عكس الأسلوب الذي اعتدناه من هذا المغني المميز الذي يبحث عن المزج بين روح الثقافة الشرقية وعبقرية الموسيقى الغربية.
ويقدم الطرودي معظم أعماله بلمسة صوفية وبدوية وكثيراً ما تأتي كلمات أعماله في هذا الاتجاه وكذلك الأزياء التي يرتديها في حفلاته ولحيته التي تجعل منه رجل صوفيا متجلٍا بموسيقاه وألحانه. ومن الملاحظ أن الفنان التونسي ركز على تقديم هذا النوع من الأعمال في حفلته الكويتية بالاشتراك مع الفرنسي إيريك تروفاز، كما أنه لم يغن آخر أغانيه «سّيب صالح» لسبب غير معروف أو لربما لمحاولته الحفاظ على النوع الموسيقي المشترك الذي يستمر في تقديمه مع تروفاز في فرقة تعتمد على الذكاء الصوتي التكنولوجي وبوقيات وإيقاعات موسيقى الجاز. وكان البعض قد توقع بأن أغنية الطرودي الأخيرة تسببت في تأخير إصدار ألبومه الجديد، لكنه نفى الخبر بقوله أن الأحداث التونسية تسببت في التأخير ليقول بأنه «تأخير لذيذ» لأن تونس تحررت من الطاغية أخيراً.
وقد عاني الطرودي من النظام التونسي السابق والذي سبق وأن ضايق زوجته بعدة طرق اضطرتها للاختباء حينما كان يقيم حفلاته في تونس، وهو ما دفع الفنان إلى إصدار ألبوم بعنوان «سلوى» أهداه لزوجته وابنته. وفي آخر تصريح لمنير الطرودي، وجه الفنان التونسي رسالة للفنانين المصريين لمساندة ما أسماه «الانتفاضة الشعبية» فالطرودي معروف بمواقفه السياسية للأنظمة القمعية ولطالما قدم أعمالاً لنضال شعبه ضد اضطهاد السلطة. وكان الطرودي في تصريحه حاداً وصريحاً بقوله ان من يقفون ضد الشعوب يسقطون من التاريخ باعتبارهم «مرتزقة» وبأن أولئك الذين يخاطرون بكل شيء من أجل الوقوف مع شعوبهم ومطالبهم الشرعية هم من يتركون بصمة في الذاكرة الفنية والشعبية في آنٍ واحد.
«سيّب صالح يا عمار» هي ليست مجرد أغنية غناها مطرب تونسي رصين ومميز بل هي في الحقيقة حركة شبابية انطلقت في تونس وتعبر عن قضية كبرى يعيشها الشباب العربي جراء الرقابة التي تمارسها السلطات السياسية والدينية متحججة بحماية المجتمع وهويته وتقاليده واستقراره، إلا أن هذه الحملة لا تكتفي بإرسال رسالة ضد القمع الفكري وفضح ممارسات بعض الحكومات ضد شعوبها، بل هي انطلاقة شبابية للتغيير ومحاسبة أولئك ممن يمارسون الوصاية على العقول مع التأكيد على أن لكل رقابة ثغرة للاختلاق، والنموذجان التونسي والمصري أفضل مثالان على أن الحرية لا يمكن أن تحبسها في قفص.

الراي

كارلوس لطوف ريشة برازيلية تدعم القضايا العربية... مجاناً!


كارلوس لطوف ريشة برازيلية تدعم القضايا العربية... مجاناً!


كتبت منى كريم

يبدو أن الإنترنت لم يعد «عالماً افتراضياً» بعد الآن، فإن كانت البشرية تعتقد قبل سنوات بأن الشبكة الإلكترونية طريقة للتواصل أو تفريغ الهموم والتحاور مع أشخاص لا يمكنهم الحكم عليك بحكم المسافة، فعالم الإنترنت الآن تحول إلى سكين حادة تُوضع على أعناق السلطات، فالتجربتان التونسية والمصرية استغلتا الشبكات الاجتماعية بأذكى الأشكال لخلق الثورات وتقديمها بشكل مباشر إلى العالم بلغات ووسائل إلكترونية مختلفة... الإنترنت بكل بساطة تحول إلى عربة يمتطيها الشباب لبلوغ أهدافهم وخلق التغيير.
في السابق، كانت الجماهير محكومة بوسائل الإعلام الوطنية التي تديرها السلطات وبالتالي فإن الشارع غالباً لا يجد مطرباً يغني له ورساماً يصور تضحياته. الآن، لم يعد الأمر كذلك، فحينما تهرب الكثير من الفنانين عن مظاهرات مصر الغاضبة، استمع المصريون من خلال مكبرات الصوت لمحمد حمام وهو يصدح بأغنيته الشهيرة «بيوت السويس» بالإضافة إلى أعمال سيد درويش والشيخ إمام وأهمها «يا مصر قومي وشدي الحيل». وعلى نفس المنوال، اختار الشارع المصري بعد الشارع التونسي رسومات فنان برازيلي يدعى كارلوس لطوف لتكون شعارات له في التظاهرات ورموزاً مطبوعة على قمصان الشباب المرابط في ميدان التحرير.
كارلوس لطوف ليس مجرد رسام كاريكاتيري ساخر ولاذع بل هو ناشط سياسي يعلن عن ميوله اليسارية التي دفعته لزيارة فلسطين ومخيمات اللاجئين في مناطق مختلفة بالإضافة لرفضه السياسيات الأميركية تجاه المنطقة ودعمها لإسرائيل. لطوف رجل في الأربعين من عمره من أصل لبناني انطلق من خلال رسومات نشرها على حائط «اتحاد التجار اليساريين» في مدينة ريو دي جانيرو حيث وُلد واعتقل عدة مرات بسبب رسوماته التي فضحت وانتقدت ممارسة الشرطة في استخدام العنف بالإضافة إلى حالة الفساد التي تحكم بلاده.
وقد ربط لطوف اسمه بالقضايا العربية دون قصد بسبب تعاطفه مع ما يحصل للشعوب العربية من صراعات خارجية بالإضافة إلى التصادم مع حكوماتها التي تقابلها بالقمع والاضطهاد، وهو ما جعله يرسم أعمالاً متسلسلة كان أشهرها «أنا فلسطيني» والتي حصدت له جائزة في أحد الملتقيات العالمية مواجهاً اتهامات عديدة بمعاداة السامية من منظمات أوروبية يهودية دون أن يتم تجريمه بأي منها. لطوف يؤكد دائماً على أنه لا يعادي اليهود أو اليهودية ولكنه يرفض ممارسات الدولة الإسرائيلية التي تتخذ من الدين درعاً لها لتبرير ممارساتها ضد الفلسطينيين وكذلك اللبنانيين والسوريين.
في تظاهرات تونس، قال لطوف من خلال شبكة «تويتر» الاجتماعية على الإنترنت بأنه يؤكد على أحقية الجميع في نشر أعماله من خلال وسائل الإعلام أو استخدامها في التظاهرات بأي شكل من الأشكال متنازلاً عن حقوقه المادية في هذا الشأن، ومبرراً ذلك بأنه الطريقة اليتيمة المتاحة أمامه لدعم الشباب الباحث عن التغيير ورفع معنوياتها والتعبير لهم عن مساندته لهم في نضالهم ضد أنظمتهم الديكتاتورية كما يصفها. بعد ذلك بأسابيع، انطلق لطوف في العمل على رسومات متعددة لدعم المتظاهرين المصريين بأسلوب ساخر وشبابي وجميل ضد السلطة المصرية ومن ثم على تفاصيل مختلفة مهمة كانت بمثابة ردود فعل على ما يطرحه الإعلام العالمي من تساؤلات تدور أهمها حول مشاركة المرأة والأقباط في المظاهرات المصرية.
هذا الفنان رغم كل الجدل الذي يثيره والاختلافات التي قد تفصلنا عنه خصوصاً من الناحية الأيدلوجية التي يقدمها بشكل حاد، إلا أنه يبقى نموذجاً واعياً من العالم الآخر يتطلع للمنطقة العربية بالكثير من الأمل والتشجيع مؤمنا بحق هذه الشعوب في رسم خطها لحياة كريمة تكفل الحقوق الإنسانية وتعمل ضمن إطار ديموقراطي... إنه الطائر الفنان الذي غنى خارج السرب النخبوي ليحط فوق صدور الشباب العربية بأسلوبه الساخر وألوانه الجريئة.

الراي