Jun 26, 2011

الأسباب الخفية لصداعي

أتساءل: ما الذي يسبب لي الصداع في مؤخرة رأسي؟ هل هو النيكوتين الأناني، قلة شرب الماء، قلة النوم، شاشة الكمبيوتر، الأحرف الصغيرة، أم أنت؟

لو افترضنا فقط بأنني أعرف ما هي المساحة التي أخُذها من المكان، حيزي الذي منه أستطيع أن أنطلق وأرسم الخطوط بين الأشياء لأخلق الأشكال وأتزين بها. لو افترضنا فقط ..

حاولت كثيراً أن أتعامل مع حياتي بواقعية سحرية، لأن الواقعية جارحة، ولأن السحر أكثر طفولية مني. حاولت أيضاً أن أسير مع القطيع، وأن أتخلص من ذكائي ومن قبحي المميز. حاولت أن أتوهم – بمساعدة من صديقتي – وأنسى جملة أخماتوفا التي قالت فيها: "كم من المؤلم يا حبيبي أن يعلم القلب بأننا لمفترقان قريباً .. قريباً".. حاولت لكن المحاولات سخرت مني..

جربت لعبة التكرار في النص لأراها تقليدية، جربت الاستعارة والكناية وكانتا باهتتين. جربت أن أترك حياتي لمحرك غوغل ليرسمها، جربت أن أمثل أمامك بأنني مرآتك، صورة منك، أن أقتلك لكنني لشدة سمرتك لا أراك. جربت أن لا أكتب هذا النص السخيف الركيك، وكان أقل سخفاً وركاكة مني فخضعت.

المكان لا يريد أن يلتهمني، أنا لا أعرف كيف ألتهم المكان .. المكان لا يطلق سراحي، أنا متشبثة به.. دائرة سادية لا تمنحني البداية ولا النهاية، وأنت تشاهد ولا تفهم، على الرغم من أن نفضة واحدة منك بامكانها أن تحل معادلتي والدائرة.

الدائرة - يا أجمل ما في النيكوتين – أصعب من أن أتراها، تفهمها، تلمسها، تعرفها، فدائرتك كانت مجهزة لك حين ولدت ببدايتها ونهايتها وألوانها الزاهية، إلا أن دائرتي بلا ملامح، سلمها جدي لنا مشوهة بحماقته وعنتريته وجبن جدتي ورأسها المطأطئة. الدائرة خاصتنا غير صالحة للاستعمال البشري، دائرة البرانيون/ المولودون خارج رحم الحياة.

لذلك أحاول أن أخلق منك دائرة جديدة علّني أدخل – بالتهريب – إلى الحياة عبر دفع حساب شايك الأخضر، وحّل واجباتك، والتحدث بالنيابة عنك، وترتيب أوراقك، ودفعك إلى الابتسام، وحمل ولاعة إحتياط لك، وتوبيخك على لبسك الخفيف في الشتاء، ولبسك المثير في الصيف..

كلها محاولات فاشلة، محاولات تسخر مني لأن المفتاح بكل بساطة بيد المكان، المكان السادي، المكان المستحيل المركز الهامش الذي نسي أن يضعني في صرته حين دخل – بالتهريب – إلى الحياة!


* نشرت في كيكا مايو 2009

Jun 1, 2011

فرج بيرقدار: زنزانتي جسدي والقصيدة حرية طارئة

حاورته منى كريم:

فرج بيرقدار شاعر سوري من مواليد حمص 1951. حائز على إجازة في قسم اللغة العربية وآدابها / جامعة دمشق. شارك في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي في إصدار كرَّاس أدبي شبه دوري، بالتعاون مع عدد من الأدباء الشباب في جامعة دمشق، وقد اعتقلته المخابرات الجوية في عام 1978 بسبب ذلك، فتوقَّف الكراس عن الصدور بعد تسعة أعداد. اعتُقل آخر مرة في 31/3/1987 بعد مدة من التخفِّي والملاحقة دامت حوالي أربع سنوات، وقد كان اعتقاله هذه المرة بسبب انتمائه إلى حزب العمل الشيوعي. أحيل بعد ست سنوات من اعتقاله إلى محكمة أمن الدولة العليا بدمشق (وهي محكمة استثنائية) فأصدرت حكماً ضده بالسجن خمسة عشر عاماً مع الأعمال الشاقة والحرمان من الحقوق المدنية والسياسية. قامت حملة دولية واسعة للمطالبة بالإفراج عنه، شارك فيها مئات الكتاب والفنانين العالميين، والعديد من الشخصيات الحقوقية والسياسية، بالإضافة إلى المنظمات المعنية مثل: اللجنة العالمية لمناهضة القمع، منظمة صحفيين بلا حدود، نادي القلم العالمي، منظمة العفو الدولية..الخ، إلا أن السلطات السورية لم ترضخ لضغوط الحملة إلا بعد انقضاء قرابة أربعة عشر عاماً من الاعتقال، قضاها مابين فروع الأمن وسجن تدمر الصحراوي وسجن صيدنايا العسكري. حاز بيرقدار جائزة هلمان/هامت لعام 1998، وجائزة نادي القلم العالمي- الفرع الأمريكي لعام 1999، وجائزة الكلمة الحرَّة في هولندا 2004. شارك بعد الإفراج عنه في العديد من المهرجانات الشعرية مثل مهرجان جرش لعام 2001، مهرجان ماراثون الشعر الهولندي في أمستردام 2002، مهرجان دنيا في روتردام2002، مهرجان الهجرة في أمستردام 2003، مهرجان أنتويرب في بلجيكا 2004، مهرجان لوديف بفرنسا 2004, مهرجان ديار بكر في تركيا 2004. كما أقام العديد من الأمسيات والندوات في دمشق وعَمَّان وبيروت وبرلين وكولونيا وباريس وديجون وجنيف ولندن وستوكهولم وبرشلونة. دعي للإقامة في ألمانيا ثمانية شهور في ضيافة مؤسسة هاينرش بول وذلك في عام 2001، كما دُعي من قبل مؤسسة (شعراء من كل الأمم) للإقامة في هولندا لمدة عام اعتباراً من 24/9/2003، وقد حاضر خلال هذا العام في قسم اللغة العربية بجامعة ليدن.


بكل صراحة، أجمل ما في قصائدك هو أنك شاعر مُحمل بالقضايا الكبرى، ولربما مُتهم بالأيديولوجيا، لكنك تملك قدرة مذهلة على التنصل من الإطارات الضيقة والتحدث بحس كوني، كيف يحدث ذلك.. هل هو تجنب الرقيب الذي يضطرك إلى ذلك أم فهمك للقصيدة باعتبارها حقيقة مطلقة، شاملة وحرة؟

مراراً قلت ولا أزال أقول: ما من قضية خاسرة إلا راهنت عليها، وما من رهان لم أنجح فيه بامتياز. هي مفارقة لغوية بلا شك، ولكنها في الوقت نفسه حقيقة معجونة بوقائع دامية. ولأن الأمر كذلك، ولأن القضايا الكبرى خاسرة بمعايير هذا الزمن، فإن انحيازي إليها لا يقبل التأويل. أما اتهامي بالأيديولوجيا، فإنه ناجم عن تصورات مسبقة أو استنتاجات مغلوطة، تفترض أن الفعل السياسي، بما يقتضيه من مرجعية أيديولوجية، لا بد أن ينعكس على القول الشعري. ولأني حذِر من البداهات غالباً، وضدها أحياناً، فقد بنيت للخطاب الشعري عشاً بعيداً عن دهاليز الخطاب السياسي. كان لا بد من شيزوفرينيا ناجزة ما بين الحالتين، أو قتل واحدة منهما عند الولوج في الأخرى، وقد حدث أن هجرت الشعر أو هجرني لست سنوات، لم يكن ممكناً لي فيها التحكم بالفصل والوصل المتناوبين ما بين الشعر والسياسة. كان ذلك في سنوات التخفي والمطاردة والتفرغ للعمل الحزبي، لكن في السجن وما بعده فقد عادت علاقتي مع الشعر إلى سابق عشقها ووفائها.

ربما كان للأيديولوجيا بعض الظلال على قصائدي في مرحلة السبعينيات، بما انطوت عليه من مشاعر وطنية وقومية وهَّجتها المقاومة الفلسطينية لدى قطاعات واسعة من الجماهير العربية، غير أني لم أكن أفيء إلى تلك الظلال. كانت قناعتي بأن المقاومة أحوج ما تكون إلى الإبداع وليس إلى استجرار التصفيق واجترار الشعارات. وكذلك كان الأمر بالنسبة لتجربة الكتابة خلال سنوات السجن: إهمال الطافي والغوص للبحث عن المغزى.. عن معنى تاء التأنيث في تلك الجزيرة من الرجال.. عن الشعر بوصفه طائر الحرية المثقل بالفضاء والأجنحة.. عن المرأة كمعادِل جمالي للرحمة والأمان والحرية.. عن الرقص الذي لا يمكن لنا أن نوقظ الأرض بدونه.. عن آلاف الفراشات المكفَّنة في منديل واحد من الحرير.. عن اليقين الذي يصلِّي على قِبلة الشك.. عن الأمهات اللواتي يجفِّفن أشواكهنَّ لفصل الشتاء الوشيك.. عن القيود التي ينبغي أن نكتب بها شيئاً أخيراً.. عن وهوهات الخيل وتزويج السراب للرمال.. عن العلاقة بين أبناء آدم وأبناء الدم.. عن الذين يختبئون وراء الله ويختبيء وراءهم، وهم يترصَّدون قلوبنا تنهض مكشوفة في العراء كالدريئة.

الأيديولوجيا تهرب من هذه الميادين التي توقِع في الشبهات، إلى ميادين أخرى لا تميل ولا تستقيم ولا تستقيل. حتى تفاصيل السجن وعذاباته ولعناته وكوابيسه وأجهزته لم يكن ممكناً لها أن تكون من شؤون الشعر، بل من شأن السرد الوثائقي الدقيق أو التحليلي المؤدلج أو اليوميات، وقد حاولت شيئاً من ذلك في يومياتي أو في ما يشبه الشهادات على التجربة. أما قصائدي فأزعم أنها لم تتورط بغير ما يليق بها من حرية واسعة الزرقة وخارج أي اعتبارات لأي نوع من الرقابات التي تدبُّ على الأرض.


بعد إطلاق سراحك، هل تحرر جسد فرج بيرقدار دون روحه؟

تحرر جسدي بدرجة ما وعلى نحو ما، تحرر من مضاضة الجدران، في المنفردات أو المهاجع أو الكوريدورات، المخنوقة بالرمادي البليد، تحرر من غرغرات الزمن وحشرجاته المثقلة بما يشبه انتظاراً ملولاً لموت رخيص لا يصل، ولكنه لم يتحرر من ذاكرة الألم، وشهيق السياط وزفيرها، والأنين المخطوف لأنفاس السجناء، ولم يتحرر مما ورثه من تشوهات وأعطاب وندوب. أما الروح؟! أمااااااااه.. ليتك لم تلدي هذه اللعنة الغامضة. في الأعماق مساحات شاسعة جرداء، صحارى محصودة الرمال، توابيت تنهرها توابيت، وما من حليف سوى قوة اليأس وشرفه واستجابته لرهان المضيِّ إلى النهايات.


اعتدنا التفاجؤ بتعريفات الشعراء لمفهوم القصيدة، رينه شار يراها الطريق الباحث في الوجود، وآخر يعتبرها تكسيراً للتابو، ما هي القصيدة بالنسبة لكَ؟

زنزانتي جسدي والقصيدة حرية طارئة. بالطبع ليس هذا هو الوجه الوحيد في رؤيتي للقصيدة. أحياناً أراها محاولة لإعادة ترتيب داخلي وتوازنه على شفرات النقائض، وأحياناً أراها أشبه باستراحة محارب، وأحياناً كينونة رحمانية قادرة على ترويض بقايا الوحش لدى كاتبها وقارئها، وأحياناً كما في إحدى مقطوعاتي التي تقول: أتخفَّى داخل القصيدة/ وأبحث عني خارجها!/ غير أننا نتواطأ أحياناً/ تدعوني إلى فراشها/ فأستجيب./ تخلع ثيابها/ وأخلع ثيابي/ فترتديني/ وأظلُّ عارياً./


بما أننا في عالم تكميم الأفواه، أو تكميم الأذان، أين يقع الشعر؟

في الحاسة السابعة أو العاشرة، في التيه، في مواقع الوجدان الأكثر أمناً، في الحرية الداخلية للشاعر، وقد نجده على الحد الفاصل ما بين اللعنة والقداسة، وفي إغواءات نداء الهاوية أو مكابدة معراج ضِلِّيل، ولكنه أبداً على خط نار الحياة في مواجهة الموت، والحب في مواجهة الكراهية، والجمال في مواجهة القبح، والنبل في مواجهة الخساسة. الشعر تأسيس دائم للمعنى، ولهذا لا يسبح في المياه الضحضاحة، ولا يستسلم للقلوب الركيكة الخالية من الحب، ولا حتى لركاكة الطغاة.


يقول بوكوفسكي: "أنا شاعر رديء"، هل أطلقت هذه العبارة على نفسك ذات مرة؟

ربما يحمِّل بوكوفسكي قوله معاني أو كنايات أخرى غير ما تشي به الدلالة اللفظية المباشرة لكلماته، وربما هو رغبة في إظهار التواضع أو جلد النفس. أمَّا بالنسبة إلي، فإن أول خطوة أقوم بها، عند اقتناعي بأني شاعر رديء، هي أن أتوقف عن كتابة الشعر، وبعدها أعتذر لمن ورَّطته في قراءتي، ثم أحاول جمع وإتلاف كل ما كتبت. وما دمت لم أفعل فهذا يعني أني لا أرى نفسي شاعراً رديئاً، وإن كنت من جهة أخرى لا أعتبر نفسي شاعراً عظيماً أو كبيراً. يكفيني أنني أستطيع كتابة أشياء مقنعة لي ولعدد من القرَّاء، ولا يستطيع أن ينوب عني فيها شعراء آخرون.


فرج بيرقدار، مؤكد أنك طائر.. هل يجب أن تكون طائراً بلون معين (لون كوردي، لون سوري الخ..)، بمعنى هل تمثل لك الهوية أو الانتماء هاجساً؟

تمثِّل الهوية لي هاجساً مضاداً، وكذلك أعلام الدول والرموز الوطنية المريبة من نسور وعمائم وألوان بيارق الجيوش، وما إلى ذلك من تجارة بأرخص العواطف العامة من أجل أخطر المصالح الخاصة. ألم يتاجر هتلر بالهوية الألمانية لأنصاره، في حين أرسل خصومه من الهوية ذاتها إلى الهاوية؟ ألم يفعل شاوشيسكو الشيء نفسه؟ وكذلك الأتراك والعرب والفرس والأمريكان وكل دول العالم بدرجة أو بأخرى؟! والانتماء يختلف عن الهوية، فالأول يفترض أن يكون اختيارياً في حين أن الثانية تبدو إجبارية أو قدرية، وبالتالي لا معنى لها في العمق ولا فضل. ومن زاوية القيم الأسمى فإني أشعر في انتمائي إلى ما ينتمي إليه محمود درويش وعبد اللطيف اللعبي وسعدي يوسف ومارتين موي وإيف بونفوا وميشيل دوغي وفرانسوا دومينيك ونصر حامد أبو زيد والياس خوري وأميل ألكالاي وغونترغراس وسليم بركات وآلاف أو ملايين الآخرين، أكثر من شعوري في الانتماء إلى آلاف أو ملايين السوريين الطيبين، ناهيكم عن غير الطيبين من ساسة وأزلام وسماسرة ولصوص ودجالين. الانتماء إلى الحب أو الإنسان بإطلاق أو الجمال أو الحرية أو العدالة الممكنة أو الطبيعة أو غير ذلك من هذه الرهافات هو أعلى من أي انتماء يضيق ويتسع تبعاً لما هو له وليس لما هو فيه. لم يبق في سوريا ما أنتمي إليه سوى فسحات ضيقة من الأهل والأصدقاء وبقايا من القابضين على جمر الواقع دفاعاً عن وردة الحلم ونجمة الأمل.


بعد كل هذا المشي بين حقول الألغام، ماذا تريد، أو بمَ ترغب؟

شِعراً أكثر وخطابات أقل.. حباً أكثر وكراهية أقل.. حرية أكثر واستبداداً أقل.. أماناً أكثر وخوفاً أقل.. عدالة أكثر وظلماً أقل.. وباختصار جماليات أكثر وبشاعات أقل في هذا العالم الذي أراه يائساً وحزيناً، بارداً وموحشاً، ملوّث الضمير والنوايا، مثقلاً بالقيود والألغام والتوابيت، معصوب العينين وعلى حافة الهاوية. وباختصار أيضاً أقول: إذا كانت الحياة واعدة بالموت، فإن أقصى الخسارات أن لا يكون موتنا جميلاً.


* نُشر الحوار في جريدة إيلاف الإلكترونية في العام 2005

May 30, 2011

ريتشارد الثالث... محاولة سينمائية لتوثيق رحلة مسرحية

لم تعد «ريتشارد الثالث» مجرد مسرحية شكسبيرية عظيمة، فهي الآن بالنسبة لمحبي المسرح العربي عمل فني أبدع سليمان البسام في تقديمه ضمن اطار صراع الغرب والشرق وانعكاس لواقع الديكتاتورية العربية الذي يأتي لزاماً بمساعدة القمع البوليسي والمؤامرات الخفية. قبل أيام، شهدت الكويت عرض فيلم «ريتشارد الثالث» وهو فيلم وثائقي من اخراج شاكر أبل وتم لانغفورد حيث يوثق هذا الفيلم رحلة فرقة مسرحية عربية يقودها سليمان البسام وتحتضن فنانين مسرحيين بارزين في المشهد العربي خلال رحلتهم في التحضير لهذا العمل في سورية ثم عرضه في الامارات وواشنطن.

وجاءت عملية تنفيذ الفيلم على مراحل مختلفة، فكانت البداية في تصوير أبطال العمل وهم يعيشون حياتهم اليومية ويتحدثون عن واقعهم فهم على الرغم من بصمتهم الواضحة في المسرح النوعي العربي الا أنهم يحاربون رموزاً مختلفة في حياتهم اليومية سواء ظروف المعيشة أو السلطة الدينية والسياسية والاجتماعية، ولذلك كان الجزء الأول من العمل درامياً وحقيقياً لأنه يقدم صورة للفنان العربي الملتزم. أما بقية العمل فيتنقل ما بين الكواليس ولقطات المسرحية وحوارات تجري بين طاقم العمل ونقاشاتهم حول قضايا مختلفة تعكس آراءهم، لنجد حديثاً لأمل عمران أمام قلعة تاريخية في العين الاماراتية وآخر لفايز قزق أمام البيت الأبيض في انعكاس رمزي لحالة التشظي للهوية العربية وصراعها بين الحداثة والماضي.

مخرج العمل شاكر أبل رأى أن الهدف من هذا الفيلم بأساسه نشر عمل سليمان البسام من خلال وسيط آخر وضمن ذلك رصد المواضيع المطروحة ونقلها الى الجمهور السينمائي والتلفزيوني لاحقاً، معتبراً أن «الانسان الكويتي فقد حساسيته تجاه المسرح وباتت الكثير من الأمور تفوته أو تبدو غامضة وغريبة بالنسبة له لأنه هجر المسرح لفترة طويلة وكانت البدائل للمسرح الحقيقي سيئة في طرحها وجودتها».

وعما اذا كان الفيلم محاولة تسويقية لسليمان البسام، قال أبل: الفيلم محاولة لتسويق الأفكار التي يطرحها البسام في مسرحياته فهو شخصياً يتفق معها ويرى بأنها تعكس مشاكل الفنان العربي، وهو أيضاً رسالة تقدير لهذا النوع المسرحي ومحاولة توضيح هذا العمل للمشاهد العادي وجذبه تجاه المسرح الحقيقي، وبالنسبة للمونتاج، جاء الفيلم بطريقة الفوضى والتناقض حيث تخلق مقارنة في السلبيات والايجابيات حينما تنتقل الفرقة من بلد الى آخر لتعيش تناقضات وتداخلات مختلفة.

ونفى أبل أن يكون العمل محاولة لتمجيد النخبة العربية مشيراً الى أن «فناني ريتشارد الثالث ليسوا بنخبويين تقليديين فكل منهم يصارع من أجل فنه وأفكاره ويعيش علاقة تبادلية مع الشارع وهم بشكل كبير يحملون أفكار الطبقة المتوسطة في مجتمعاتهم». وعن دور المخرج تيم لانغفورد في العمل قال: شخصياً لا أملك خبرة في الاخراج السينمائي حرفياً الا أنني جئت بالفكرة وخط العمل واخترت أن أستعين بقدرات لانغفورد الذي سبق وأن قام بعمل وثائقي لمسرحية «هاملت» قبل سنوات.

وعن مشاركة الفيلم في مهرجانات سينمائية، قال أبل: ان العمل حصل على الجائزة الذهبية في مهرجان هيوستن كما تم عرضه في دبي ضمن مهرجان الفيلم الخليجي حيث حصل على ردود فعل ايجابية من الاعلاميين والنقاد الموجودين، وسيركز حالياً على المشاركة في المهرجانات العربية لأن هذا الفيلم يخاطب الجمهور العربي بالدرجة الأولى، ومن المقرر توقيع اتفاقية مع شركات لتوزيع الفيلم ومن ثم عرضه على التلفزيون لاحقاً ان سنحت الفرصة.


- جريدة الراي

May 24, 2011

الروائية الأردنية عفاف البطاينة: اختار الحبّ قبل الدين

حاورتها منى كريم:

في البدء لم أعرف أنها عفاف البطاينة صاحبة رواية "خارج الجسد" التي حققت مبيعات عالية في عام 2005، كما استطاعت إثارة غضب الرقيب العربي في دول عدة. كانت البداية في نقاشات داخل الحرم الجامعي حول أدونيس، محمد أركون والكثير من الأسماء التي تسحبك نحو أسئلة ملونة. مؤسفة سذاجة أي كاتبة عربية قد تحقق نجومية لامعة، لكن مع الروائية عفاف بطاينة هنالك نموذجاً مغاير للكاتبة – المثقفة.


أكثر المقالات التي تحدثت عن روايتك تستعرض كيف تجاوزتِ الثالوث المقدس الجنس – الدين - السلطة. هل بات هذا الثالوث هو المقصود من وراء كل كتابة أو نص؟

لا يمكن الكتابة عن أي موضوع بعمق و تبيين أبعاده الاجتماعية دون التعرض لكل أو واحد من هذه المقدسات لأن الجنس والدين والسلطة تدخل في تفاصيل الحياة اليومية وتفاصيل الفكر والإبداع والحياة. فلا يمكن التعرض لأي قضية بشكل منعزل عن هذه الأمور والقضايا إلى أن يتحول الواقع الاجتماعي إلى واقع مختلف لا يحكم بهذه المقدسات، بالإضافة إلى أن القضايا هي الأكثر إشكالية في الفكر والثقافة العربية، والأكثر أهمية في الحياة العربية. إذن هي الإشكالية والحل الذي يجيء من خلال فصل هذه الإشكالية.


الكثير من الروايات التي تصدر تتناول قضية ظلم المرأة، هل الكتابة فعل حقيقي هنا يستطيع أن يثير فعل تغيير تجاه وضع المرأة الشرقية؟

الفعل الإنساني دائماً يتغير، الكتابة هي فعل ونشاط إنساني يطمح إلى التغيير، قدرة العمل الإبداعي الروائي العربي على التغيير محكومة بتجربة استقبال الفكر والإبداع دون شروط أو قيود ودون توقعات مسبقة، وعلى مستوى القارئ هذا يتطلب التخلي عن الكثير من المعطيات المسبقة التي نفسر من خلالها خبراتنا الحياتية سواء كانت معيشية أم فكرية. و أحياناً لا يكون التغيير هو الهدف الوحيد وإنما تصوير الواقع بقسوته و حقيقته من أجل طرح البدائل. والبدائل عادة أو الهدف منها هو الخروج من الحدود المفروضة على اختياراتنا. وهذا يخرجنا من أحادية التصور أو أحادية الاحتمالات. وبالتالي يصبح هنالك حث على التفكير والتغيير.


حين سألك أحد طلبتكِ من تضعين أولاً: الدين أم الحبّ، أجبتِ: الحبّ، هل في ذلك إشارة إلى ذات رومانتيكية، أم إلى شعار الإنسانية أولاً ومن ثم النصوص المغلقة؟

بالطبع إلى شعار الإنسان أولاً، وحرية الإنسان في تحديد أولوياته. ألا وهي الحبّ فوق الدين، والدين هنا كشيء مقدس، والحبّ كمفهوم سعادة إنسانية داخلية، تعطي للإنسان معنى لوجوده. وبما أنها سعادته، له الحق أن يختار. وهذا بالضرورة قد يجعل شخص آخر يختار الدين أولاَ باعتباره مصدراً لسعادته. السعادة هنا تعريف شخصي.


بما أنكِ أكاديمية تنتهج الفكر العقلاني الذي يشق طريقه نحو أسئلة لا نهائية. هل كان أسلوبك في الرواية يميل إلى عقلية الراوي الذي يحلل ويقترح الحلول؟

عقلية الراوي في الرواية هي عقلية المفكر فيما يراه و يسمعه، والذي لا يتوقف عن التحليل والمقارنة من أجل الوصول إلى أجوبة خالية من التناقضات ولذلك هنالك مساحة للوصف ومساحة للسؤال ومساحة للتحليل ومساحة للنقد ومساحة لعرض الأجوبة، وليس لأجوبة في ذاتها. طبعاً كل من الوصف والسؤال والتحليل والنقد والأجوبة المعروضة قد يكون تابعاً لمنطق العاطفة، أو لمنطق العقل، وكلاهما يحكمان في النهاية بمنطق الإنسان كإنسان لا كرجل أو امرأة، دون أي تصنيفات اجتماعية أو بيولوجية.


هل تعتقدين أن ما يثير الضجة حول كل نص نسوي يعود للهوس الذكوري بالأنثى، أم لأهمية الإنجاز النسوي في حد ذاته؟

عائد لارتباط اسم المرأة بالثقافة، بالإبداع، بالقدرة، بالمساواة، بالرفض، بالثورة، وبالمعارضة. وهذه المصطلحات أو المفاهيم مرتبطة بفكرة تغيير الواقع، المكان، وما هو ممكن. وهذه الاحتمالات الثلاثة تعني تغيير في العمق الاجتماعي والثقافي و السياسي العربي. ونحن مجتمعات وأشخاص (الأغلبية منا) نخاف التغيير، لأنه يجبرنا على التجديد، ونحن لا نريد التجديد. فيما يخص الهوس الذكوري أعتقد أننا تجاوزنا ذلك، هنالك هوس اجتماعي ديني، و لا أراه مرتبطاً بالذكور فقط، لأننا نراه لدى الإناث أيضاً. و لا أراه مرتبطاً بنصٍ نسوي، فلا يوجد نص نسوي، بل هنالك نص إبداعي فقط. فلا علاقة لهذا التصنيف بالنص مما يجعل فكر النص أكثر أهمية وأكثر ارتباطاً بما يدار حول النصوص المكتوبة حول المرأة.


أين تقع المرأة العربية الكاتبة الآن في نصوصها التي تدور حول محور الجنس: البورنوغرافيا أم الإيروتيك؟

لا نستطيع وضع كل النصوص في خانة واحدة، لذا لا أصنف كل النصوص الأنثوية تحت شعار أو عنوان واحد. قد نتعرض لايروتيكية أو الدقة في وصف الجنس. والسؤال الذي يجب أن يطرح: هل الجنس موظف أم لا؟ أي هل يخدم العمل الإبداعي أم أنه مجرد عنصر إثارة لجلب القارئ؟ وإن كان موظفاً فلا فرق بينه و بين أي قضية أخرى.


كيف تقييمين ردود الفعل حول روايتك، هل كانت أغلبها محقونة بالاستنفار أو متحيز بشكل مطلق؟ بمعنى هل كانت هنالك أي قراءة موضوعية؟

بعض المراجعات للرواية و بعض النقد الذي وظف الرواية حاول جاهداً وضع الرواية في سياق ثقافي اجتماعي عربي وبالتالي تناول قضية البطريركية كقاعدة تحاول الرواية تهميشها وبعض المراجعات الأخرى اكتفت برؤية الرواية كقصة لا كعمل إبداعي ذي مكونات متعددة المستويات. قليل من تعرض لأسلوب السرد أو لتعددية الأفكار المطروحة أو المستويات المختلفة للغة الموظفة في الرواية، و هذا جزء من قصور النقد العربي الذي ينظر للرواية على أنها عنصر تسلية وليس كعمل إبداعي فكري.


أجري الحوار في 2006 ونشر في جريدة أوان الكويتية

May 23, 2011

مقام عشاق


( يا عشاق العالم اتحدوا )

فوق كل هذا يأتي الحُبُّ بثوبـِه الفضفاض ليغطي أصابعنا المرتعشة . فوق كل ما فعلناه يطردنا من ضحكاتـِه فيكون منفانا النحيبُ. الكلماتُ التي تكبر فوق أجسادِنا تبحثُ فينا عن أرضٍ مهاجرةٍ وعن كذبةٍ نـُسميها القصيدة َ، إنها تشيخ من هراءنا، تدفعنا لنسقط َ من الضوء، ونلمّع مُدنـَه الخلفية .

ها نحن أيها الحبّ عنكَ و منكَ، نُبادلكَ الرسائلَ السرية َ وترقص فينا، نحن خمارتك الكبيرة التي تتسع لخصرِك وتتيه في قسوتِك .بلا أملٍ نسهرُ على راحةِ عناوينِك الصغيرةِ ، ننتظرها كي تضعَ لنا الخيط َ الرابط َ بين النهارِ و قبلةِ ليل .

فوق كل هذا كان الصمتُ يترنح بعيداً، يغني و دموعه تنمو بعيداً. كُنا طريقه المضطرب نحو عناقات ٍ ضائعة، كنا ذراعات ٍ مفتوحة كالحلم / كالوطن / كالسعادةِ بعد أن طردها زوجُها من بيتِ القلب .كنا نحب ّ، كما تمر الأيام ويركض العالمُ في ماراثون ِ الهاوية. كنا نحبّ، نقذف خيامنا في أزقةِ النسيان وندخل في حسرات المياه .

ها نحن أيها الحبّ منذورين لك بشهادات ميلادِنا و أوراق هجرتنا ، نبايعكَ معصومنا الخامس عشر ، لتضعَ أرواحَنا – المزروعة َ بالحروبِ و المليئة َ بجنودٍ حزانى – بين ساقيكَ المجروحتين . نركع لكَ / لراقصاتكَ اللواتي ترنحنّ بين قطرات المطر ، لأمهاتِنا اللواتي نسينّ البكاء عليكَ لمرةٍ واحدة .

فوق كل هذه الأوراق المرمية في صوتِك يداهمنا النسيانُ كحقيقةٍ متأخرة ، كشرطيٍ ممتن ٍ لموتِ زوجتِه ، الذي منحه إجازةً سعيدة !!فوق كل الأنامل ِ المصلوبةِ بالرأفةِ نمارسُ الحزنَ مع المسافةِ فقط . كنا كما نريد ، نحيكُ ستائرً من غيابنا ، كمدينةٍ في جسدِ أوروفيوس ، نصنع ممن نعشقهم خواتمَ شامخة مثل الليل ِ / وعينين بغصةِ الخُضرة في حضرةِ المطر .

نحن يوسف الذي تركَ نصف جماله معلقاً فوق قبلةٍ / نحن الخائفين من ظل ٍ يحاصرُ غفوة َ أحبتنا / نحن من نتحسس عشقـنا و هو يخفي رأسه كطفلٍ كسر مزهرية / نحن من نتطفل على المطر ، ندخلُ في جسدِه لنزورَ كل البيوت و نفتش كل القصاصات الصغيرة المتطايرة بين الجيوب الخجلى ..

ها نحن أيها الحُبّ ، سنبني لك مخدةً من صوفِ قلوبنا ، نراكَ يا إلهنا / نرى آهاتكَ تجيء مجموعةٍ من المراهقين بعد نوبة ضحك و تدخين سري . صوتكَ يحتاج لمنشفةٍ طويلة تجففُ عنه الأنين . ليلكَ لا نستطيع إحصاءه ، إنه منثورُ فوق أسرّتِنا كحباتِ الكرز . و فردوسكَ مسكوبُ على قفلِه شمعاً أحمر .

لن نفتحَ لكَ أسوارنا ، نخافُ علينا من أن ننضحَ ينابيعَ لازورد . نخافُ على صوتِنا من صعلكتك في آخرِ الروح ، منكَ ، من وطن ٍ بلا باب ، و نخشى أن نلطخ َمقبضَه بالحنين . إنك تدور حولنا و تجرحنا ، إننا مرضاكَ يا سيدي ، فدّاوِنا بالتي هي أحسن ، إننا جرحى العشق ، و لا إسعافات أولية أو عمليات جراحية تطبطبُ على ظهورِنا سواكَ .

أوه أيها الحُبّ ، ساعدكَ أسمرُ و شامخ ُكشاهدةِ قبر . لستَ من قافلةِ الجنةِ ، ولستَ من جيش ِالجحيم . رايتكَ ليست بيضاء ، إنها حمراء كعيونِنا التي نظف السهرُ طاولاتها ، إنها فتاة ُتنشرُ تنهدات حبيبها مع ملابسِها المبللة . أوه أيها الحُبّ مدرستكَ بعيدة و تضطر إلى المشي لساعاتٍ حتى تصلَ لها ، و لا نجد الوقتَ الكافي لمراقبتِك / معانقتِك / تقبيلِك . ليتكَ تكره المدرسةَ ، ليتكَ بائع جرائد في شارعِنا .

اربطنا كشرائط على شعركَ ، لا تفكر في الحلاقةِ ، و لا تغتسل ، اجعلنا هواءكَ القريب . ارفع منجلكَ في وجهِ قلوبنا و احصدنا على ظهركَ صرةََ أرز .

ها نحن أيها الحُبّ أمام بابِ كوخِك اليتيم ، نرفعُ نظاراتِنا لنبكيَ بشكل ٍ جيد ، ها نحن أيها الحبّ ، سنخلع نعلنا و ندخل ..


منى كريم - 2005