Pages

Dec 10, 2021

خرائط المنفى

 جالسة على أريكة خضراء في شقة بروكلينية باتت الآن موبوءة ببقّ الفراش، أدركتُ فجأة أن موعد رحلة طيراني للقاء عائلتي لأول مرة منذ خمس سنوات كان الليلة، وليس غداً؛ أي 12:30 بعد منتصف الليل، وليس 12:30 وقت الظهيرة. كنت قد خططت للاستيقاظ مبكراً في الصباح، أحضر فُنجاني قهوة، قبل ملئ حقيبتي الصغيرة بالقليل من الهدايا التي تمكنت من شرائها لإخوتي في آخر لحظة. ظننت أن لدي المزيد من الساعات كي أجلس مع ذاك الشعور الثقيل، الذي حسبته مزيجاً من الانفعال والشوق، ولكنه كان في الحقيقة مزيجاً من القلق والخوف – الخوفُ من أن تسير الأمور على غير ما يرام؛ الخوف من لقاءات لا يمكن لأحد أن يحضّر نفسه لها.


أمام الأريكة طربيزة مدورة، حُمت حولها بذعر، غير متأكدة من قدرتي على الوصول إلى مطار جون إف كينيدي في الوقت المناسب، أو إلى كييف، أو إلى تبليسي. على مر شهور، كنت قد جمعت أنا وأختي مبلغاً لكي نتمكن من الذهاب في رحلة لم الشمل تلك التي ستدوم أسبوعاً، في بلدٍ لا نعرف عنه أي شيء. بعد شهورٍ قليلة من وصولي إلى الولايات المتحدة، رفض الكويتيون طلب تجديد وثيقة السفر، فصرتُ بذلك لاجئة. قوبلت محاولاتُ عائلتي للحصول على فيزا أمريكية بالرفض المتكرر أيضاً؛ لذا بحثنا عن خطط بديلة. اتصلنا بالسفارات كل صباح، في الولايات المتحدة وفي الكويت. سألتُ، «هل تقبلون وثيقة سفر لاجئ من إصدار الولايات المتحدة الأمريكية؟ كم يستغرق إصدار تأشيرة السفر؟» أما هم فسألوا «هل تقبلون وثيقة سفر «بدون»؟ كم يستغرق إصدار تأشيرة السفر؟» وكانت جورجيا هي الدولة الأسهلُ للطرفين، المكان الذي أعاد العرب استكشافه خلال السنوات القليلة الماضية، هذه المرة ليس بصفتهم فاتحين، وإنما لاجئين مارّين، يطمحون للتسلل إلى القارة الأوروبية من جانبها الشرقيّ.

غادرتُ الكويت في شهر أغسطس / آب عام 2011، وكان ذلك أفضل وقت لمغادرة الكويت، حيث درجة الحرارة 120 فهرنهايت (48.8 مئوية). كنت متيقنة من أنني على الأغلب لن أرجع في أي وقت قريب. كان حلم مغادرتي لهذه البلاد قديماً قِدَم جسدي. لطالما كنت مسحورة باحتمالات الأماكن الأخرى، يغلبني شعور الملل والتبلد من مسقط رأسي؛ وفوق كل شيء تعبت من كوني بدون جنسية، ومن دولة عمرها أصغر من عمر أبي تتهمني مراراً أنني لا أنتمي أو أنني لست «أصيلة» كفاية. لا أعرف النوم في الطائرات، ولا حتى عند استقلال الحافلات؛ شيءٌ ما في حضور الآخرين يقضّ مضجعي. قضيتُ الساعات أضع لمسات أخيرة على مشروع ترجمة كلفتني به امرأة بيضاء حاولَت ألّا تدفع أتعابي بحجة أنها تمنحني «فرصة الظهور في المشهد الأدبي الأمريكي». امرأة بيضاء لا نفوذ لها حتى في هذا المشهد. انتبهتُ إلى جيراني الجالسين بالقرب مني، وكانوا أماً وثلاثة أطفال، عندما سمعتهم يتحدثون بالعربية. طرحنا على بعض السؤال الذي عادة ما نطرحه قبل السؤال عن الاسم. أجاب ابنها، المولود في باي ريدج بروكلين، «نحن فلسطينيون».

عند وصولنا إلى كييف، تم تفتيشنا أنا والفلسطينيين بدقة، وراح الولد ذو الاثني عشر عاماً يلقي دعابات «عنّا»، وعن كوننا «نحن» من يؤخر الطوابير، ومن يجعل الحشود تتأفف وتتململ. سلبَ الأوكرانيون مني مقصاً صغيراً وملقط شعر كان حاجباي بأمس الحاجة إليه. شعرتُ بالإحباط ولجأت إلى السخرية، فصرت أجيب عن كل سؤال بسؤال – لا أعرف... لأن... أنتم تعرفون... لماذا... هل يجب عليّ ذلك؟ كانت هذه من جملة أساليب التكيّف التي اكتسبتها في رحلاتي من مطار إلى مطار، كبديل عن الابتسام في وجه من يقوم بتفتيشك واذلالك. يفاجئهم سلوكي هذا ويجبرهم أحياناً على اللجوء إلى استدعاء مدرائهم، للتعامل مع امرأة تتحدث مثل أمريكية متسلطة، لكنها ليست بأمريكية. ذاك اليوم، مثل بقية الأيام، رفضتُ أن أجيب عن أسئلة من قبيل، لماذا أنا بدون جنسية، أو لماذا أملك وثيقة سفر لاجئ. تمسّكت بسلوكي المعاند وفكّرت، حتى الأوكرانيّين. ففي العام السابق، قامت روسيا باحتلال أوكرانيا، مما يدفع المرء على الظن بأن لدى الأوكرانيين أشياء أجدر بالقلق. طلبتُ أن تؤخذ صورة لنا، أنا والفلسطينيين. صوَّرتنا الأم، واتخذنا – أنا والأطفال – وضعيات مختلفة، نرفع أيادينا في علامات لا نستطيع فك شِفراتها.